وأسند حكم النكث إلى أكثر أهل القرى ، تبينا لكون ضمير ﴿ فما كانوا ليؤمنوا ﴾ جرى على التغليب ، ولعل نكتة هذا التصريح في خصوص هذا الحكم أنه حكم مذمة ومسبة ، فناسبت محاشاة من لم تلتصق به تلك المسبة .
| 2 ( 103 ) ﴿ ثم بعثنا من بعدهم موسى بئاياتنآ إلى فرعون وملإيه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ﴾ . ) 2
انتقال من أخبار الرسالات السابقة إلى أخبار رسالة عظيمة لأمة باقية إلى وقت نزول القرآن فضلها الله بفضله فلم توف حق الشكر وتلقت رسولها بين طاعة وإباء وانقياد ونفار ، فلم يعاملها الله بالاستيصال ولكنه أراها جزاء مختلف أعمالها ، جزاء وفاقا ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .
وخصت بالتفضيل قصة إرسال موسى لما تحتوي عليه من الحوادث العظيمة ، والأنباء القيمة ، ولأن رسالته جاءت بأعظم شريعة بين يدي شريعة الإسلام ، وأرسل رسولها هاديا وشارعا تمهيدا لشريعة تأتي لأمة أعظم منها تكون بعدها ، ولأن حال المرسل إليهم أشبه بحال من أرسل إليهم محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا فريقين كثيرين اتبع أحدهم موسى وكفر به الآخر ، كما اتبع محمدا عليه السلام جمع عظيم وكفر به فريق كثير ، فأهلك الله من كفر ونصر من آمن .
وقد دلت ﴿ ثم ﴾ على المهلة : لأن موسى عليه السلام بعث بعد شعيب بزمن طويل ، فإنه لما توجه إلى مدين حين خروجه من مصر ، رجا الله أن يهديه فوجد شعيبا ، وكان اتصاله به ومصاهرته تدريجا له في سلم قبول الرسالة عن الله تعالى فالمهلة باعتبار مجموع الأمم المحكي عنها قبل ، فإن منها ما بينه وبين موسى قرون مثل قوم نوح ، ومثل عاد وثمود ، وقوم لوط ، فالمهلة التي دلت عليها ﴿ ثم ﴾ متفاوتة المقدار ، مع ما يقتضيه عطف الجملة بحرف ﴿ ثم ﴾ من التراخي الرتبي وهو ملازم لها إذا عطفت بها الجمل . فحرف ( ثم ) هنا مستعمل في معنيي المهلة الحقيقي والمجازي .
والضمير في قوله : ﴿ من بعدهم ﴾ يعود إلى القرى ، باعتبار أهلها ، كما عادت