به الوعد الذي حققه الأمم لرسلهم مثل قولهم : فأننا بآية إن كنت من الصادقين ، فإن معنى ذلك : إن أتيتنا بآية صدقناك . ويجوز أن يراد به وعد وثقه أسلاف الأمم من عهد آدم أن لا يعبدوا إلا الله وهو المذكور في قوله تعالى : ﴿ ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان ﴾ ( يس : 60 ) الآية ، فكان لازما لأعقابهم .
ويجوز أن يراد به ما وعدت به أرواح البشر خالقها في الأزل المحكي في قوله تعالى : ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ﴾ ( الأعراف : 172 ) الآية . وهو عبارة عن خلق الله فطرة البشرية معتقدة وجود خالقها ووحدانيته ، ثم حرفتها النزعات الوثنية والضلالات الشيطانية .
ووقوع اسم هذا الجنس في سياق النفي يقتضي انتفاءه بجميع المعاني الصادق هو عليها .
ومعنى انتفاء وجدانه . هو انتفاء الوفاء به ، لأن أصل الوعد ثابت موجود ، ولكنه لما كان تحققه لا يظهر إلا في المستقبل ، وهو الوفاء ، جعل انتفاء الوفاء بمنزلة انتفاء الوقوع ، والمعنى على تقدير مضاف ، أي : ما وجدنا لأكثرهم من وفاء عهد .
وإنما عدي عدم وجدان الوفاء بالعهد في ﴿ أكثرهم ﴾ للإشارة إلى إخراج مؤمني كل أمة من هذا الذم ، والمراد بأكثرهم ، أكثر كل أمة منهم ، لا أمة واحدة قليلة من بين جميع الأمم .
وقوله : ﴿ وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ﴾ إخبار بأن عدم الوفاء بالعهد من أكثرهم كان منهم عن عمد ونكث ، ولكون ذلك معنى زائدا على ما في الجملة التي قبلها عطفت ولم تجعل تأكيدا للتي قبلها أو بيانا ، لأن الفسق هو عصيان الأمر ، وذلك أنهم كذبوا فيما وعدوا عن قصد للكفر .
و ( إن ) مخففة من الثقيلة ، وبعدها مبتدأ محذوف هو ضمير الشأن ، والجملة خبر عنه تنويها بشأن هذا الخبر ليعلمه السامعون .
واللام الداخلة في خبر ﴿ وجدنا ﴾ لام ابتداء ، باعتبار كون ذلك الخبر خبرا من جملة هي خبر عن الاسم الواقع بعد ( إن ) ، وجلبت اللام للتفرقة بين المخففة والنافية .
وقد تقدم نظير هذا عند قوله تعالى : ﴿ وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ﴾ ( آل عمران : 164 ) .