من قوله : ﴿ إن شر الدواب عند الله الصم البكم ﴾ ( الأنفال : 22 ) وقوله ﴿ واتقوا فتنة ﴾ ( الأنفال : 25 ) الآية ، ورتب على التقوى : الوعد بالنصر ومغفرة الذنوب وسعة الفضل .
والفرقان أصله مصدر كالشكران والغفران والبتان ، وهو ما يفرق أي يميز بين شيئين متشابهين ، وقد أطلق بالخصوص على أنواع من التفرقة فأطلق على النصر ، لأنه يفرق بين حالين كانا محتملين قبل ظهور النصر ، ولقب القرآن بالفرقان ؛ لأنه فرق بين الحق والباطل ، قال تعالى : ﴿ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ﴾ ( الفرقان : 1 ) ولعل اختياره هنا لقصد شموله ما يصلح للمقام من معانيه ، فقد فسر بالنصر ، وعن السدي ، والضحاك ، ومجاهد ، الفرقان المخرج ، وفي ( أحكام ابن العربي ) ، عن ابن وهب وابن القاسم وأشهب أنهم سألوا مالكا عن قوله تعالى : ﴿ يجعل لكم فرقانا ﴾ قال مخرجا ثم قرأ : ﴿ ومن يتقق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه ﴾ ( الطلاق : 3 ) ، وفسر بالتمييز بينهم وبين الكفار في الأحوال التي يستحب فيها التمايز في أحوال الدنيا ، فيشمل ذلك أحوال النفس : من الهداية ، والمعرفة ، والرضى ، وانشراح القلب ، وإزالة الحقد والغل والحسد بينهم ، والمكر والخداعع وذميمم الخلائق .
وقد أشعر قوله : ﴿ لكم ﴾ أن الفرقان شيء نافع لهم فالظاهر أن المراد منه كل ما فيه مخرج لهم ونجاة من التباس الأحوال وارتباك الأمور وانبهام المقاصد ، فيؤول إلى استقامة أحوال الحياة ، حتى يكونوا مطمئني البالل منشرحي الخاطر وذلك يستدعي أن يكونوا : منصورين ، غالبين ، بصراء بالأمور ، كملة الأخلاق سائرين في طريق الحق والرشد ، وذلك هو ملاك استقامة الأمم ، فاختيار الفرقان هنا ، لأنه اللفظ الذي لا يؤدي غيره مؤداه في هذا الغرض وذلك من تمام الفصاحة .
والتقوى تشمل التوبة ، فتكفير السيئات يصح أن يكون المراد به تكفير السيئات الفارطة التي تعقبها التقوى . ومفعول ﴿ يغفر لكم ﴾ ، محذوف وهو ما يستحق الغفران وذلك هو الذنب ، ويتعين أن يحمل على نوع من الذنوب . وهو الصغائر التي عبر عنها باللمم ، ويجوز العكس بأن يراد بالسيئات الصغائر وبالمغفرة مغفرة الكبائر بالتوبة المعقبة لها ، وقيل التكفير الستر في الدنيا ، والغفران عدم المؤاخذة بها في