هو الرمي بمعنى أثره وحصول المقصود منه ، وليس المراد نفي وقوع الرمي مثل المراد في قوله : ﴿ فلم تقتلوهم ﴾ لأن الرمي واقع من يد النبي صلى الله عليه وسلم ولكن المراد نفي تأثيره ، فإن المقصود من ذلك الرمي إصابة عيون أهل جيش المشركين وما كان ذلك بالذي يحصل برمي اليد ، لأن أثر رمي البشر لا يبلغ أثره مبلغ تلك الرمية ، فلما ظهر من أثرها ما عم الجيش كلهم ، علم انتفاء أن تكون تلك الرمية مدفوعة بيد مخلوق ، ولكنها مدفوعة بقدرة الخالق الخارجة عن الحد المتعارف ، وأن المراد بإثبات الرمي في قوله : ﴿ ولكن الله رمى ﴾ كالقول في ﴿ ولكن الله قتلهم ﴾ .
وقرأ نافع والجمهور ﴿ ولكن ﴾ بتشديد النون في الموضعين وقرأه ابن عامر ، وحمزة ، والكسائي بسكون النون فيهما .
عطف على محذوف يؤذن به قوله : ﴿ فلم تقتلوهم ﴾ الآية وقوله ﴿ وما رميت ﴾ الآية .
فإن قتلهم المشركين وإصابة أعينهم كانا الغرض هزم المشركين فهو العلة الأصلية ، وله علة أخرى وهي أن يبلي الله المؤمنين بلاء حسنا أي يعطيهم عطاء حسنا يشكرونه عليه ، فيظهر ما يدل عن قيامهم بشكره مما تختبر به طويتهم لمن لا يعرفها ، وهذا العطاء هو النصر والغنيمة في الدنيا والجنة في الآخرة .
وأعلم أن أصل مادة هذا الفعل هي البلاء وجاء منه الإبلاء بالهمز وتصريف هذا الفعل أغفله الراغب في ( المفردات ) ومن رأيت من المفسرين ، وهو مضارع أبلاه إذا أحسن إليه مشتق من البلاء والبلوى الذي أصله الاختيار ثم أطلق على إصابة أحد أحدا بشيء يظهر به مقدار تأثره ، والغالب أن الإصابة بشر ، ثم توسع فيه فأطلق على ما يشمل الإصابة بخير قال تعالى : ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴾ ( الأنبياء : 35 ) وهو إطلاق كنائي وشاع ذلك الإطلاق الكنائي حتى صار بمنزلة المعنى الصريح ، وبقي الفعل المجرد صالحا للإصابة بالشر والخير ، واستعملوا أبلاه مهموز أي أصابة بخير قال ابن قتيبة : ( يقال من الخير أبليته إبلاء ومن الشر بلوته أبلوه بلاء ) .
قلت : جعلوا الهمزة فيه دالة على الإزالة أي إزالة البلاء الذي غلب في إصابة الشر ولهذا قال تعالى : ﴿ بلاء حسنا ﴾ وهو مفعول مطلق لفعل يبلي موكد له ، لأن فعل يبلي دال على بلاء حسن