وقوله : ﴿ أني ممدكم بألف من الملائكة ﴾ هو الكلام المستجاب به ولذلك قدره في ( الكشاف ) بأن أصله بأني ممدكم أي فحذف الجار وسلط عليه ﴿ استجاب ﴾ فنصب محله .
وأرى أن حرف ( أن ) المفتوحة الهمزة المشددة النون إذا وقعت بعد ( ما ) فيه معنى القول دون حروفه أن تكون مفيدة للتفسير مع التأكيد كما كانت تفيد معنى المصدرية مع التأكيد ، فمن البين أن ( أن ) المفتوحة الهمزة مركبة من ( أن ) المفتوحة الهمزة المخففة النون المصدرية في الغالب ، يجوز أن يعتبر تركيبها من ( أن ) التفسيرية إذا وقعت بعد ( ما ) فيه معنى القول دون حروفه ، وذلك مظنة ( أن ) التفسيرية ، وأعتضد بما في ( اللسان ) من قول الفراء : ( إذا جاءت ( أن : ) بعد القول وما تصرف من القول كانت حكاية ، فلم يقع عليها ( أي القول ) فهي مكسورة ، وإن كانت تفسيرا للقول نصبتها ومثله : قد قلت لك كلاما حسنا أن أباك شريف ، فحت أن لأنها فسرت الكلام . قلت : ووقوع ( أن ) موقع التفسير كثير : في الكلام . وفي القرآن ، ومنه قوله تعالى : ﴿ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ﴾ ( المائدة : 45 ) الآية ، ومن تأمل بإنصاف وجد متانة معنى قوله : ﴿ أني ممدكم بألف من الملائكة ﴾ في كون ( أن ) تفسيرية ، دون كونها مجرورة بحرف جر محذوف . مع أن معنى ذلك الحرف غير بين .
والإمداد إعطاء المدد وهو الزيادة من الشيء النافع .
وقرأ نافع ، وأبو جعفر ، ويعقوب : بفتح الدال من ﴿ مردفين ﴾ أي يرد فهم غيرهم من الملائكة ، وقرأ البقية : بكسر الدال أي تكون الألف رادفا لغيرهم قبلهم .
والإرداف الإتباع والإلحاق فيكون الوعد بألف وبغيرها على ما هو متعارف عندهم من إعداد نجدة للجيش عند الحاجة تكون لهم مددا ، وذلك أن الله أمدهم بآلاف من الملائكة بلغوا خمسة آلاف كما تقدم في سورة آل عمران ، ويجوز أن يكون المراد بألف هنا مطلق الكثرة فيفسره قوله : ﴿ بثلاثة آلاف ﴾ في سورة آل عمران ( 124 ) ، وهم مردفون بألفين ، فتلك خمسة آلاف ، وكانت عادتهم في الحرب إذا كان الجيش عظيما أن يبعثوا طائفة منه ثم يعقبوها بأخرى لأن ذلك أرهب للعدو .