رفعا للنزاع بينهم في استحقاق الأنفال ، أو في طلب التنفيل ، فلما حكم بأنها ملك لله ورسوله أو بأن أمر قسمتها موكول لله ، فقد وقع ذلك على كراهة كثير منهم ممن كانوا يحسبون أنهم أحق بتلك الأنفال ممن أعطيها ، تبعا لعوائدهم السالفة في الجاهلية فذكرهم الله بأن قد وجب الرضى بما يقسمه الرسول منها ، وهذا كله من المقول .
وقدم الأمر بالتقوى ، لأنها جامع الطاعات .
وعطف الأمر بإصلاح ذات البين ، لأنهم اختصموا واشتجروا في شأنها كما قال عبادة بن الصامت : ( اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا ) فأمرهم الله بالتصافح ، وختم بالأمر بالطاعة ، والمراد بها هنا الرضى بما قسم الله ورسوله أي الطاعة التامة كما قال تعالى ﴿ ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ﴾ ( النساء : 65 ) .
والإصلاح : جعل الشيء صالحا ، وهو مؤذن بأنه كان غير صالح ، فالأمر بالإصلاح دل على فساد ذات بينهم ، وهو فساد التنازع والتظالم .
و ﴿ ذات ﴾ يجوز أن تكون مؤنث ( ذو ) الذي هو بمعنى صاحب فتكون ألفها مبدلة من الواو . ووقع في كلامهم مضافا إلى الجهات وإلى الأزمان وإلى غيرهما ، يجرونه مجرى الصفة لموصوف يدل عليه السياق كقوله تعالى : ﴿ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ﴾ في سورة الكهف ( 18 ) ، على تأويل جهة ، وتقول : لقيته ذات ليلة ، ولقيته ذات صباح ، على تأويل المقدر ساعة أو وقت ، وجرت مجرى المثل في ملازمتها هذا الاستعمال ، ويجوز أن تكون ( ذات ) أصلية الألف كما يقال : أنا أعرف ذات فلان ، فالمعنى حقيقة الشيء وماهيته ، كذا فسرها الزجاج والزمخشري ، فهو كقول ابن رواحة :
وذلك في ذاتت الإله وإن يشأ
يبارك على أوصال شلو ممزع
فتكون كلمة مقحمة لتحقيق الحقيقة ، جعلت مقدمة ، وحقها التأخير لأنها للتأكيد مثل المعنى في قولهم : جاءني بذاته ، ومنه يقولون : ذات اليمين وذات الشمال ، قال تعالى ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ .
فالمعنى : أصلحوا بينكم ، ولذا ف ( ذات ) مفعول به على أن ( بين ) في الأصل ظرف فخرج عن الظرفية ، وجعل اسما منتصرفا ، كما قرىء ﴿ لقد تقطع بينكم ﴾ ( الأنعام : 94 ) برفع بينكم في قراءة جماعة . فأضيفت إليه ( ذات ) فصار المعنى : أصلحوا حقيقة بينكم