تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دل عليه النفي في قوله : ﴿ ما بصاحبهم من جنة ﴾ أي ألم يكونوا من المفكرين أهل النظر ، والفعل المعلق عن العمل لا يقدر له مفعول ولا متعلق .

والمقصود من تعليق الفعل هو الانتقال من علم الظان إلى تحقيق الخبر المظنون وجعله قضية مستقلة ، فيصير الكلام بمنزلة خبرين خبر من جانب الظان ونحوه ، وخبر من جانب المتكلم دخل في قسم الواقعات فنحو قوله تعالى : ﴿ لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ﴾ ( الأنبياء : 65 ) هو في قوة أن يقال : لقد علمت لا ينطقون ما هؤلاء ينطقون ، أي ذلك علمك وهذا علمي ، وقوله هنا : ﴿ أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة ﴾ في قوة : أو لم يتفكروا صاحبهم غير مجنون ، ما بصاحبهم من جنة . فتعليق أفعال القلب ضرب من ضروب الإيجاز ، وأحسب هذا هو الغرض من أسلوب التعليق لم ينبه عليه علماء المعاني ، وأن خصائص العربية لا تنحصر .

و ( الصاحب ) حقيقته الذي يلازم غيره في حالة من سفر أو نحوه ، ومنه قوله تعالى : ﴿ يا صاحبي السجن ﴾ ( يوسف : 41 ) ، وسميت الزوجة صاحبة ، ويطلق مجازا على الذي له مع غيره حادث عظيم وخبر ، تنزيلا لملازمة الذكر منزلة ملازمة الذات ، ومنه قول أبي معبد الخزاعي لامرأته ، أم معبد ، لما أخبرته بدخول النبي صلى الله عليه وسلم بيتها في طريق الهجرة ووصفت له هديه وبركته : ( هذا صاحب قريش ) ، وقول الحجاج في بعض خطبه لأهل العراق ( ألستم أصحابي بالأهواز حين رمتم الغدر واستبطنتم الكفر ) يريد أنهم الذين قاتلوه بالأهواز ، فمعنى كونهم أصحابه أنه كثر اشتغاله بهم ، وقول الفضل بن عباس اللهبي :

كل له نية في بغض صاحبه

بنعمة الله نقليكم وتقلونا

فوصف الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه صاحب الذين كذبوا بالآيات : هو بمعنى الذي اشتغلوا بشأنه ولزموا الخوض في أمره ، وقد تكرر ذلك في القرآن كقوله تعالى : ﴿ وما صاحبكم بمجنون ﴾ ( التكوير : 22 ) .

والجنة بكسر الجيم اسم للجنون ، وهو الخبال الذي يعتري الإنسان من أثر مس الجن إياه في عرف الناس ، ولذلك علقت الجنة بفعل الكون المقدر ،

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٩ · الصفحة ١٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٩ · ص ١٩٤