لأن مضمون الجملة الثانية على هذا شامل لمضمون الجملة السابقة مع زيادة الوصف ، المتين ، ما لو حمل الكيد على معنى الأخذ على خفاء بقطع النظر عن إظهار خلاف ما يخفيه ، فإن جملة : إن كيدي متين لا تفيد إلا تعليل الاستدراج والإملاء بأنهما من فعل من يأخذ على خفاء دون تلوين أخذه بما يغر المأخوذ ، فكأنه قال : سنستدرجهم من حيث لا يعلمون كائدين لهم ، إن كيدي متين .
وإطلاقه هنا جاء على طريقة التمثيلية بتشبيه الحال التي يستدرج الله بها المكذبين مع تأخير العذاب عنهم إلى أمد هم بالغوه ، بحال من يهيىء أخذا لعدوه مع إظهار المصانعة والمحاسنة ؛ ليزيد عدوه غرورا ، وليكون وقوع ضر الأخذ به أشد وأبعد عن الاستعداد لتلقيه .
و ( المتين ) القوي ، وحقيقته القوي المتن أي الظهر ، لأن قوة متنه تمكنه من الأعمال الشديدة ، ومتن كل شيء عموده وما يتماسك به .
| 2 ( 184 ) ﴿ أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين ﴾ . ) 2
لما كان تكذيبهم بالآيات منبعثا عن تكذيبهم من جاء بها ، وناشئا عن ظن أن آيات الله لا يجيء بها البشر ، وأن من يدعي أنه مرسل من الله مجنون ، عقب الإخبار عن المكذبين ووعيدهم بدعوتهم للنظر في حال الرسول ، وأنه ليس بمجنون كما يزعمون .
واستعمال العرب همزة الاستفهام مع حروف العطف المشركة في الحكم استعمال عجيب تقدم بيانه عند قوله تعالى : ﴿ أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم أستكبرتم ﴾ في سورة البقرة ( 87 ) .
والجملة مستأنفة ، وهي ابتداء كلام في محاجتهم وتنبيههم بعد الإخبار عنهم بأنهم مستدرجون ومملى لهم .
والاستفهام للتعجيب من حالهم والانكار عليهم ، و ( ما ) في قوله : ﴿ ما بصاحبهم من جنة ﴾ نافية كما يؤذن به دخول ( من ) على منفى ما ، لتأكيد الاستغراق .
وفعل ﴿ يتفكروا ﴾ منزل منزلة اللازم ، فلا يقدر له متعلق للاستغناء عن ذلك بما