بلحيتي } ثم قال ، بعد ذلك ﴿ ابن أم إن القوم استضعفوني ﴾ فهما كلامان متعاقبان ، ويظهر أن المحكي هنا هو القول الثاني ، وأن ما في سورة طه هو الذي ابتدأ به هارون ، لأنه كان جوابا عن قول موسى : ﴿ ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أن لا تتبعن ﴾ ( طه : 92 ، 93 ) .
واختيار التعريف بالإضافة ؛ لتضمن المضاف إليه معنى التذكير بصلة الرحم ، لأن إخوة الأم أشد أواصر القرابة ؛ لاشتراك الأخوين في الألف من وقت الصبا والرضاع .
وفتح الميم في ﴿ ابن أم ﴾ قراءة نافع ، وابن كثير ، وأبي عمرو ، وحفص عن عاصم ، وهي لغة مشهورة في المنادى المضاف إلى أم أو عم ، وذلك بحذف ياء المتكلم وتعويض ألف عنها في آخر المنادى ، ثم يحذف ذلك الألف تخفيفا ، ويجوز بقاء كسرة الميم على الأصل ، وهي لغة مشهورة أيضا ، وبها قرأ ابن عامر ، وحمزة ، والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم ، وخلف .
وتقدم الكلام على الأم عند قوله تعالى : ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ في سورة النساء ( 23 ) .
وتأكيد الخبر ب ﴿ إن ﴾ لتحقيقه لدى موسى ، لأنه بحيث يتردد فيه قبل إخبار المخبر به ، والتأكيد يستدعيه قبول الخبر للتردد من قبل إخبار المخبر به ، وإن كان المخبر لا يظن به الكذب ، أو لئلا يظن به أنه توهم ذلك من حال قومه ، وكانت حالهم دون ذلك .
والسين والتاء في ﴿ استضعفوني ﴾ للحسبان أي حسبوني ضعيفا لا ناصر لي ، لأنهم تمالؤوا على عبادة العجل ولم يخالفهم إلا هارون في شرذمة قليلة .
وقوله : ﴿ وكادوا يقتلونني ﴾ يدل على أنه عارضهم معارضة شديدة ثم سلم خشية القتل .
والتفريع في قوله : ﴿ فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين ﴾ تفريع على تبين عذره في إقرارهم على ذلك ، فطلب من أخيه الكف عن عقابه الذي يشمت به الأعداء لأجله ، ويجعله مع عداد الظالمين فطلب ذلك كناية عن طلب الإعراض عن العقاب .
والشماتة : سرور النفس بما يصيب غيرها من الإضرار ، وإنما تحصل من العداوة والحسد . وفعلها قاصر كفرح ، ومصدرها مخالف للقياس ، ويتعدى الفعل إلى المفعول بالباء يقال : شمت به : أي : كان شامتا بسببه ، وأشمته به جعله شامتا به ، وأراد بالأعداء