تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والأسف بدون مد ، صيغة مبالغة للآسف بالمد الذي هو اسم فاعل للذي حل به الأسف وهو الحزن الشديد ، أي رجع غضبان من عصيان قومه حزينا على فساد أحوالهم ، وبئسما ضد نعما ، وقد مضى القول عليه في قوله تعالى : قل بئسما يأمركم به إيمانكم في سورة البقرة ( 93 ) ، والمعنى بئست خلافة خلفتمونيها خلافتكم .

وتقدم الكلام على فعل خلف في قوله : اخلفني في قومي } ( الأعراف : 142 ) قريبا .

وهذا خطاب لهارون ووجوه القوم ، لأنهم خلفاء موسى في قومهم فيكون ﴿ خلفتموني ﴾ مستعملا في حقيقته ، ويجوز أن يكون الخطاب لجميع القوم ، فأما هارون فلأنه لم يحسن الخلافة بسياسة الأمة كما كان يسوسها موسى ، وأما القوم فلأنهم عبدوا العجل بعد غيبة موسى ، ومن لوازم الخلافة فعل ما كان يفعله المخلوف عنه ، فهم لما تركوا ما كان يفعله موسى من عبادة الله وصاروا إلى عبادة العجل فقد انحرفوا عن سيرته فلم يخلفوه في سيرته ، وإطلاق الخلافة على هذا المعنى مجاز فيكون فعل ﴿ خلفتموني ﴾ مستعملا في حقيقته ومجازه .

وزيادة ﴿ من بعدي ﴾ عقب ﴿ خلفتموني ﴾ للتذكير بالبون الشاسع بين حال الخلف وحال المخلوف عنه تصوير لفظاعة ما خلفوه به أي بعدما سمعتم مني التحذير من الإشراك وزجركم عن تقليد المشركين حين قلتم : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ، فيكون قيد ﴿ من بعدي ﴾ للكشف وتصوير الحالة كقوله تعالى : ﴿ فخر عليهم السقف من فوقهم ﴾ ( النحل : 26 ) ، ومعلوم أن السقف لا يكون إلا من فوق ، ولكنه ذكر لتصوير حالة الخرور وتهويلها ، ونظيره قوله تعالى ، بعد ذكر نفر من الأنبياء وصفاتهم ، ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ ( الأعراف : 169 ) أي من بعد أولئك الموصوفين بتلك الصفات .

و ( عجل ) أكثر ما يستعمل قاصرا ، بمعنى فعل العجلة أي السرعة ، وقد يتعدى إلى المعمول ( بعن ) فيقال : عجل عن كذا بمعنى لم يتمه بعد أن شرع فيه ، وضده تم على الأمر إذا شرع فيه فأتمه ، ويستعمل عجل مضمنا معنى سبق فعدي بنفسه على اعتبار هذا المعنى ، وهو استعمال كثير .

ومعنى ( عجل ) هنا يجوز أن يكون بمعنى لم يتم ، وتكون تعديته إلى المفعول على نزع الخافض .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٩ · الصفحة ١١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٩ · ص ١١٤