تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أنعامهم وحروثهم قسما بينه وبين الله ، فما دخل في حق ( عم أنس ) من حق الله الذي سموه له تركوه للصنم وما دخل في حق الله من حق ( عم أنس ) ردوه عليه ، ومنهم بطن يقال لهم ( الأديم ) قال : وفيهم نزل قوله تعالى : وجعلوا لله مما ذرأ الآية .

وقوله : ﴿ فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ﴾ . قال ابن عباس وقتادة : كانوا إذا جمعوا الزرع فهبت الريح فحملت من الذي لله إلى الذي لشركائهم أقروه وقالوا : إن الله غني عنه ، وإذا حملت من الذي لشركائهم إلى الذي لله ردوه ، وإذا هلك ما لأصنامهم بقحط أخذوا بدله مما لله ، ولا يفعلون ذلك فيما لله ، وإذا انفجر من سقي ما جعلوه لله فساح إلى ما للذي للأصنام تركوه وإذا انفجر من سقي ما للأصنام فدخل في زرع الذي لله سدوه . وكانوا إذا أصابتهم سنة استعانوا بما جعلوه لله فأنفقوه على أنفسهم وأقروا ما جعلوه لشركائهم للشركاء ، وإذا هلك الذي جعلوه للأصنام وكثر الذي جعلوه لله قالوا : ليس لآلهتنا بد من نفقة وأخذوا الذي جعلوه لله فأنفقوه عليها ، وإذا أجدب الذي لله وكثر الذي لآلهتهم قالوا : لو شاء الله أزكى الذي له فلا يردون على ما جعلوه لله شيئا مما لآلهتهم ، فقوله : ﴿ فلا يصل إلى الله ﴾ مبالغة في صونه من أن يعطى لما لله لأنه إذا كان لا يصل فهو لا يترك إذا وصل بالأولى .

وعدي ﴿ يصل ﴾ إلى اسم الجلالة وإلى اسم شركائهم . والمراد لا يصل إلى النصيب المجعول لله أو إلى لشركائهم لأنهم لما جعلوا نصيبا لله ونصيبا لشركائهم فقد استشعروا ذلك النصيب محوزا لمن جعل إليه وفي حرزه فكأنه وصل إلى ذاته .

وجملة : ﴿ ساء ما يحكمون ﴾ استئناف لإنشاء ذم شرائعهم . وساء هنا بمعنى بئس : و ﴿ ما هي فاعل ساء ﴾ وهي موصولة وصلتها ﴿ يحكمون ﴾ ، وحذف العائد المنصوب ، وحذف المخصوص بالذم لدلالة : ﴿ جعلوا ﴾

يوم القيامة ، وقرأه باقي العشرة : بالنصب على الحال من المبتدأ أي هي لهم الآن حال كونها خالصة في الآخرة ومعنى القراءتين واحد ، وهو أن الزينة والطيبات تكون خالصة للمؤمنين يوم القيامة .

والأظهر أن الضمير المستتر في ﴿ خالصة ﴾ عائد إلى الزينة والطيبات الحاصلة في الحياة الدنيا بعينها ، أي هي خالصة لهم في الآخرة ، ولا شك أن تلك الزينة والطيبات قد انقرضت في الدنيا ، فمعنى خلاصها صفاؤها ، وكونه في يوم القيامة : هو أن يوم القيامة مظهر صفائها أي خلوصها من التبعات المنجرة منها ، وهي تبعات تحريمها ، وتبعات تناول بعضها مع الكفر بالمنعم بها ، فالمؤمنون لما تناولوها في الدنيا تناولوها بإذن ربهم ، بخلاف المشركين فإنهم يسألون عنها فيعاقبون على ما تناولوه منها في الدنيا ، لأنهم كفروا نعمة المنعم بها ، فأشركوا به غيره كما قال تعالى فيهم : ﴿ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ﴾ ( الواقعة : 82 ) وإلى هذا المعنى يشير تفسير سعيد بن جبير ، والأمر فيه على قراءة رفع : ﴿ خالصة ﴾ أنه إخبار عن هذه الزينة والطيبات بأنها لا تعقب المتمتعين بها تبعات ولا أضرارا ، وعلى قراءة النصب فهو نصب على الحال المقدرة .

ويحتمل أن يكون الضمير في ﴿ خالصة ﴾ عائدا إلى الزينة والطيبات ، باعتبار أنواعها لا باعتبار أعيانها ، فيكون المعنى : ولهم أمثالها يوم القيامة خالصة .

ومعنى الخلاص التمحض وهو هنا التمحض عن مشاركة غيرهم من أهل يوم القيامة ، والمقصود أن المشركين وغيرهم من الكافرين لا زينة لهم ولا طيبات من الرزق يوم القيامة ، أي أنها في الدنيا كانت لهم مع مشاركة المشركين إياهم فيها ، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس وأصحابه .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ٩٧