تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من قبلك في سورة النساء ( 60 ) ، وهو مثلث الزاي ، والمشهور فيه فتح الزاي ، ومثله الرغم بالراء مثلث الراء .

وقرأ الجمهور بفتح الزاي وقرأه الكسائي بضم الزاي ويتعلق قولهم : بزعمهم } ب ﴿ قالوا ﴾ وجعل قوله : ﴿ بزعمهم ﴾ مواليا لبعض مقول القول ليكون متصلا بما جعلوه لله فيرتب التعجيب من حكمهم بأن ما كان لله يصل إلى شركائهم ، أي ما اكتفوا بزعمهم الباطل حتى نكلوا عنه وأشركوا شركاؤهم فيماجعلوه لله بزعمهم .

والباء الداخلة على ﴿ بزعمهم ﴾ إما بمعنى ﴿ من ﴾ أي ، قالوا ذلك بألسنتهم ، وأعلنوا به قولا ناشئا عن الزعم ، أي الإعتقاد الباطل ، وإما للسببية ، أي قالوا ذلك بسبب أنهم زعموا . ومحل الزعم هو ما اقتضته القسمة بين الله وبين الآلهة ، وإلا فإن القول بأنه ملك لله قول حق ، لكنهم لما قالوه على معنى تعيين حق الله في ذلك النصيب دون نصيب آخر . كان قولهم زعما باطلا .

والشركاء هنا جمع شريك ، أي شريك الله سبحانه في الإلهية ، ولما شاع ذلك عندهم صار كالعلم بالغلبة ، فلذلك استغنى عن الإضافة إلى ما فيه المعنى المشتق منه أعني الشركة ثم لأجل غلبته في هذا المعنى صار بمنزلة اللقب ، فلذلك أضافوه إلى ضميرهم ، فقالوا : لشركائنا ، إضافة معنوية لا لفظية ، أي للشركاء الذين يعرفون بنا . قال ابن عباس وأصحابه : كان المشركون يجعلون لله من حروثهم ( يعني زرعهم وشجرهم ) وأنعامهم نصيبا وللأوثان نصيبا فما كان للأصنام أنفقوه عليها وما كان لله أطعموه الضيفان والمساكين ولا يأكلون منه البتة .

وكانوا يجعلون البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي للأصنام . وذكر ابن إسحاق : أن ( خولان ) كان لهم صنم اسمه ( عم أنس ) يقسمون له من

وافتتاح الجملة ب ﴿ قل ﴾ دلالة على أنه كلام مسوق للرد والإنكار والمحاورة .

والاستفهام إنكاري قصد به التهكم إذ جعلهم بمنزلة أهل علم يطلب منهم البيان والإفادة نظير قوله : ﴿ قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ﴾ ( الأنعام : 148 ) وقوله ﴿ نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ﴾ ( الأنعام : 143 ) وقرينة التهكم : إضافة الزينة إلى اسم الله ، وتعريفها بأنها أخرجها الله لعباده ، ووصف الرزق بالطيبات ، وذلك يقتضي عدم التحريم ، فالاستفهام يؤول أيضا إلى إنكار تحريمها .

ولوضوح انتفاء تحريمها ، وأنه لا يقوله عاقل ، وأن السؤال سؤال عالم لا سؤال طالب علم ، أمر السائل بأن يجيب بنفسه سؤال نفسه ، فعقب ما هو في صورة السؤال بقوله : ﴿ قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا ﴾ على طريقة قوله : ﴿ قل لمن ما في السموات والأرض قل لله في سورة الأنعام ( 12 ) ، وقوله عم يتساءلون عن النبإ العظيم ﴾ ( النبأ : 1 ، 2 ) فآل السؤال وجوابه إلى خبرين .

وضمير : ﴿ هي ﴾ عائد إلى الزينة والطيبات بقطع النظر عن وصف تحريم من حرمها ، أي : الزينة والطيبات من حيث هي هي حلال للذين آمنوا فمن حرمها على أنفسهم فقد حرموا أنفسهم .

واللام في : ﴿ للذين آمنوا ﴾ لام الاختصاص وهو يدل على الإباحة ، فالمعنى : ما هي بحرام ولكنها مباحة للذين آمنوا ، وإنما حرم المشركون أنفسهم من أصناف منها في الحياة الدنيا كلها مثل البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي وما في بطونها ، وحرم بعض المشركين أنفسهم من أشياء في أوقات من الحياة الدنيا مما حرموه على أنفسهم من اللباس في الطواف وفي منى ، ومن أكل اللحوم والودك والسمن واللبن ، فكان الفوز للمؤمنين إذ اتبعوا أمر الله بتحليل ذلك كله في جميع أوقات الحياة الدنيا .

وقوله : ﴿ خالصة يوم القيامة ﴾ قرأه نافع ، وحده : برفع خالصة على أنه خبر ثان عن قوله : ﴿ هي ﴾ أي : هي لهم في الدنيا وهي لهم خالصة

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ٩٦