استعارة تمثيلية مكنية ، شبهت حالة المؤمنين الفائزين في عملهم ، مع حالة المشركين ، بحالة الغالب على امتلاك دار عدوه ، وطوي المركب الدال على الهيئة المشبه بها ، ورمز إليه بذكر ما هو من روادفه ، وهو ﴿ عاقبة الدار ﴾ ، فإن التمثيلية تكون مصرحة ، وتكون مكنية ، وإن لم يقسموها إليهما ، لكنه تقسيم لا محيص منه . ويجوز أن تكون ﴿ الدار ﴾ مستعارة للحالة التي استقر فيها أحد ، تشبيها للحالة بالمكان في الاحتواء ، فتكون إضافة عاقبة إلى الدار إضافة بيانية ، أي العاقبة الحسنى التي هي حاله ، فيكون الكلام استعارة مصرحة .
ومن محاسنها هنا : أنها بنت على استعارة المكانة للحالة في قوله : ﴿ اعملوا على مكانتكم ﴾ فصار المعنى : اعملوا في داركم ما أنتم عاملون فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار . وفي الكلام مع ذلك إيماء إلى أن عاقبة تلك الدار ، أي بلد مكة ، أن تكون للمسلمين ، كقوله تعالى : ﴿ أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ﴾ ( الأنبياء : 105 ) وقد فسر قوله : ﴿ من تكون له عاقبة الدار ﴾ بغير هذا المعنى .
وقرأ الجمهور : ﴿ من تكون ﴾ بتاء فوقية وقرأه حمزة ، والكسائي ، بتحتية ، لأن تأنيث عاقبة غير حقيقي ، فلما وقع فاعلا ظاهرا فيجوز فيه أن يقرن بعلامة التأنيث وبدونها .
وجملة : ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ تذييل للوعيد يتنزل منزلة التعليل ، أي لأنه لا يفلح الظالمون ، ستكون عقبى الدار للمسلمين ، لا لكم ، لأنكم ظالمون .
والتعريف في ﴿ الظالمون ﴾ للاستغراق ، فيشمل هؤلاء الظالمين ابتداء ، والضمير المجعول اسم ( إن ) ضمير الشأن تنبيها على الاهتمام بهذا الخبر وأنه أمر عظيم .
وأخرج مسلم عن عروة بن الزبير ، قال : كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحمس ، والحمس قريش وما ولدت فكان غيرهم يطوفون عراة إلا أن يعطيهم الحمس ثيابا فيعطي الرجال الرجال والنساء النساء ، وعنه : أنهم كانوا إذا وصلوا إلى منى طرحوا ثيابهم وأتوا المسجد عراة . وروي أن الحمس كانوا يقولون نحن أهل الحرم فلا ينبغي لأحد من العرب أن يطوف إلا في ثيابنا ولا يأكل إذا دخل أرضنا إلا من طعامنا . فمن لم يكن له من العرب صديق بمكة يعيره ثوبا ولا يجد من يستأجر به كان بين أحد أمرين إما أن يطوف بالبيت عريانا ، وإما أن يطوف في ثيابه فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه عنه فلم يمسه أحد وكان ذلك الثوب يسمى : اللقى بفتح اللام قال شاعرهم :
كفى حزنا كري عليه كأنه
لقى بين أيدي الطائفين حرام
وفي ( الكشاف ) ، عن طاووس : كان أحدهم يطوف عريانا ويدع ثيابه وراء المسجد وإن طاف وهي عليه ضرب وانتزعت منه لأنهم قالوا : لا نعبد الله في ثيابب أذنبنا فيها ، وقد أبطله النبي صلى الله عليه وسلم إذ أمر أبا بكر رضي الله عنه ، عام حجته سنة تسع ، أن ينادي في الموسم : ( أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ) .
وعن السدي وابن عباس كان أهل الجاهلية التزموا تحريم اللم والودك في أيام الموسم ، ولا يأكلون من الطعام إلا قوتا ، ولا يأكلون دسما ، ونسب في ( الكشاف ) ذلك إلى بني عامر ، وكان الحمس يقولون : لا ينبغي لأحد إذا دخل أرضنا أن يأكل إلا من طعامنا ، وفي ( تفسير الطبري )