تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا صريح في التهديد ، لأن إخبارهم بأنهم سيعلمون يفيد أنه يعلم وقوع ذلك لا محالة ، وتصميمه على أنه عامل على مكانته ومخالف لعملهم يدل على أنه موقن بحسن عقباه وسوء عقباهم ، ولولا ذلك لعمل عملهم ، لأن العاقل لا يرضى الضر لنفسه ، فدل قوله : ﴿ فسوف تعلمون ﴾ على أن علمهم يقع في المستقبل ، وأما هو فعالم من الآن ، ففيه كناية عن وثوقه بأنه محق ، وأنهم مبطلون ، وسيجيء نظير هذه الآية في قصة شعيب من سورة هود .

وقوله : ﴿ من تكون له عاقبة الدار ﴾ استفهام ، وهو يعلق فعل العلم عن العمل ، فلا يعطى مفعولين استغناء بمفاد الاستفهام ؛ إذ التقدير : تعلمون أحدنا تكون له عاقبة الدار . وموضع : ﴿ من ﴾ رفع على الابتداء ، وجملة : ﴿ تكون له عاقبة الدار ﴾ خبره .

والعاقبة ، في اللغة : آخر الأمر ، وأثر عمل العامل ، فعاقبة كل شيء هي ما ينجلي عنه الشيء ويظهر في آخره من أثر ونتيجة ، وتأنيثه على تأويل الحالة فلا يقال : عاقب الأمر ، ولكن عاقبة وعقبى .

وقد خصص الاستعمال لفظ العاقبة بآخرة الأمر الحسنة ، قال الراغب : العاقبة والعقبى يختصان بالثواب نحو ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ ( الأعراف : 128 ) ، وبالإضافة قد يستعمل في العقوبة نحو ﴿ ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى ﴾ ( الروم : 10 ) وقل من نبه على هذا ، وهو من تدقيقه ، وشواهده في القرآن كثيرة .

والدار الموضع الذي يحل به الناس من أرض أو بناء ، وتقدم آنفا عند قوله تعالى : ﴿ لهم دار السلام ﴾ ( الأنعام : 127 ) ، وتعريف الدار هنا تعريف الجنس . فيجوز أن يكون لفظ ﴿ الدار ﴾ مطلقا ، على المعنى الحقيقي ، فإضافة ﴿ عاقبة ﴾ إلى ﴿ الدار ﴾ إضافة حقيقية ، أي حسن الأخارة الحاصل في الدار ، وهي الفوز بالدار ، والفلج في النزاع عليها ، تشبيها بما كان العرب يتنازعون على المنازل والمراعي ، وبذلك يكون قوله : ﴿ من تكون له عاقبة الدار ﴾

وعطف هذه الجملة على التي قبلها ، واعتبارهما سواء في الإخبار عن الفريق الذين حقت عليهم الضلالة ، لقصد الدلالة على أن ضلالهم حاصل في كل واحد من الخبرين ، فولاية الشياطين ضلالة ، وحسبانهم ضلالهم هدى ضلالة أيضا ، سواء كان ذلك كله عن خطأ أو عن عناد ، إذ لا عذر للضال في ضلاله بالخطأ ، لأن الله نصب الأدلة على الحق وعلى التمييز بين الحق والباطل .

$ 2 ( 31 ) { يابنى &

1764 ءادم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفو &

1764 ا إنه لا يحب المسرفين } . ) 2 $

إعادة النداء في صدر هذه الجملة للاهتمام ، وتعريف المنادى بطريق الإضافة بوصف كونهم بني آدم متابعة للخطاب المتقدم في قوله : ﴿ يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا ﴾ ( الأعراف : 26 ) .

وهذه الجملة تتنزل ، من التي بعدها ، وهي قوله : ﴿ قل من حرم زينة الله ﴾ ( الأعراف : 32 ) منزلة النتيجة من الجدل ، فقدمت على الجدل فصارت غرضا بمنزلة دعوى وجعل الجدل حجة على الدعوى ، وذلك طريق من طرق الإنشاء في ترتيب المعاني ونتائجها .

فالمقصد من قوله : ﴿ خذوا زينتكم ﴾ إبطال ما زعمه المشركون من لزوم التعري في الحج في أحوال خاصة ، وعند مساجد معينة ، فقد أخرج مسلم عن ابن عباس ، قال : كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة وتقول من يعيرني تطوافا تجعله على فرجها وتقول :

اليوم يبدو بعضه أو كله

وما بدا منه فلا أحله

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ٩٢