تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بدار السلام الجنة سميت دار السلام لأن السلامة الحق فيها ، لأنها قرار أمن من كل مكروه للنفس ، فتمحضت للنعيم الملائم ، وقيل : السلام ، اسم من أسماء الله تعالى ، أي دار الله تعظيما لها كما يقال للكعبة : بيت الله ، ويجوز أن يراد مكانة الأمان عند الله ، أي حالة الأمان من غضبه وعذابه ، كقول النابغة :

كم قد أحل بدار الفقر بعد غنى

عمرو وكم راش عمرو بعد إقتار

و ﴿ عند ﴾ مستعارة للقرب الاعتباري ، أريد به تشريف الرتبة كما دل عليه قوله عقبه : ﴿ وهو وليهم ﴾ ، ويجوز أن تكون مستعارة للحفظ لأن الشيء النفيس يجعل في مكان قريب من صاحبه ليحفظه ، فيكون المعنى تحقيق ذلك لهم ، وأنه وعد كالشيء المحفوظ المدخر ، كما يقال : إن فعلت كذا فلك عندي كذا تحقيقا للوعد . والعدول عن إضافة ﴿ عند ﴾ لضمير المتكلم إلى إضافته للاسم الظاهر : لقصد تشريفهم بأن هذه عطية من هو مولاهم . فهي مناسبة لفضله وبره بهم ورضاه عنهم كعكسه المتقدم آنفا في قوله تعالى : ﴿ سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله ﴾ ( الأنعام : 124 ) .

وعطف على جملة : ﴿ لهم دار السلام ﴾ جملة : ﴿ وهو وليهم ﴾ تعميما لولاية الله إياهم في جميع شؤونهم ، لأنها من تمام المنة . والولي يطلق بمعنى الناصر وبمعنى الموالي .

وقوله : ﴿ بما كانوا يعملون ﴾ يجوز أن يتعلق بما في معنى الخبر في قوله : ﴿ لهم دار السلام ﴾ ، من مفهوم الفعل ، أي ثبت لهم ذلك بما كانوا يعملون ، فتكون الباء سببية ، أي بسبب أعمالهم الحاصلة بالإسلام ، أو الباء للعوض : أي لهم ذلك جزاء بأعمالهم ، وتكون جملة : ﴿ وهو وليهم ﴾ معترضة بين الخبر ومتعلقه ، ويجوز أن يكون : ﴿ بما كانوا يعملون ﴾ متعلقا ب ﴿ وليهم ﴾ أي وهو ناصرهم ، والباء للسببيه : أي بسبب أعمالهم

ثم إذا ترعرع أخذت خواطر السوء تنتابه في باطن نفسه فيفرضها ويولدها ، وينفعل بها أو يفعل بما تشير به عليه .

وقوله : ﴿ وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ﴾ حكاية لابتداء عمل الإنسان لستر نقائصه ، وتحيله على تجنب ما يكرهه ، وعلى تحسين حاله بحسب ما يخيل إليه خياله ، وهذا أول مظهر من مظاهر الحضارة أنشأه الله في عقلي أصلي البشر ، فإنهما لما شعرا بسوآتهما بكلا المعنيين ، عرفا بعض جزئياتها ، وهي العورة وحدث في نفوسهما الشعور بقبح بروزها ، فشرعا يخفيانها عن أنظارهما استبشاعا وكراهية ، وإذ قد شعرا بذلك بالإلهام الفطري ، حيث لا ملقن يلقنهما ذلك ، ولا تعليم يعلمهما ، تقرر في نفوس الناس أن كشف العورة قبيح في الفطرة ، وأن سترها متعين ، وهذا من حكم القوة الواهمة الذي قارن البشر في نشأته ، فدل على أنه وهم فطري متأصل ، فلذلك جاء دين الفطرة بتقرير ستر العورة ، مشايعة لما استقر في نفوس البشر ، وقد جعل الله للقوة الواهمة سلطانا على نفوس البشر في عصور طويلة ، لأن في اتباعها عونا على تهذيب طباعه ، ونزعع الجلافة الحيوانية من النوع ، لأن الواهمة لا توجد في الحيوان ، ثم أخذت الشرائع ، ووصايا الحكماء ، وآداب المربين ، تزيل من عقول البشر متابعة الأوهام تدريجا مع الزمان ، ولا يبقون منها إلا ما لا بد منه لاستبقاء الفضيلة في العادة بين البشر ، حتى جاء الإسلام وهو الشريعة الخاتمة فكان نوط الأحكام في دين الإسلام بالأمور الوهمية ملغى في غالب الأحكام ، كما فصلته في كتاب ( مقاصد الشريعة ) وكتاب ( أصول نظام الاجتماع في الإسلام ) .

والخصف حقيقته تقوية الطبقة من النعل بطبقة أخرى لتشتد ، ويستعمل مجازا مرسلا في مطلق التقوية للخرقة والثوب ، ومنه ثوب خصيف أي مخصوف أي غليظ النسج لا يشف عما تحته ، فمعنى يخصفان يضعان على عوراتهما الورق بعضه على بعض كفعل الخاصف ، وضعا ملزقا متمكنا ، وهذا هو الظاهر هنا إذ لم يقل يخصفان ورق الجنة .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ٦٤