تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

| 2 ( 125 ) ﴿ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد فى السمآء كذالك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ﴾ . ) 2

الفاء مرتبة الجملة التي بعدها على مضمون ما قبلها من قوله : ﴿ أو من كان ميتا فأحييناه ﴾ ( الأنعام : 122 ) وما ترتب عليه من التفاريع والاعتراض . وهذا التفريع إبطال لتعللاتهم بعلة ﴿ حتى نوتى مثل ما أوتي رسل الله ﴾ ( الأنعام : 124 ) ، وأن الله منعهم ما علقوا إيمانهم على حصوله ، فتفرع على ذلك بيان السبب المؤثر بالحقيقة إيمان المؤمن وكفر الكافر ، وهو : هداية الله المؤمن ، وإضلاله الكافر ، فذلك حقيقة التأثير ، دون الأسباب الظاهرة ، فيعرف من ذلك أن أكابر المجرمين لو أوتوا ما سألوا لما آمنوا ، حتى يريد الله هدايتهم إلى الإسلام ، كما قال تعالى : ﴿ إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ﴾ ( يونس : 96 ، 97 ) وكما قال : ﴿ ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ﴾ ( الأنعام : 111 ) .

والهدى إنما يتعلق بالأمور النافعة : لأن حقيقته إصابة الطريق الموصل للمكان المقصود ، ومجازه رشاد العقل ، فلذلك لم يحتج إلى ذكر متعلقه هنا لظهور أنه الهدى للإسلام ، مع قرينة قوله : ﴿ يشرح صدره للإسلام ﴾ ، وأما قوله : ﴿ فاهدوهم إلى صراط الجحيم ﴾ ( الصافات : 23 ) فهو تهكم . والضلال إنما يكون في أحوال مضرة لأن حقيقته خطأ الطريق المطلوب ، فلذلك كان مشعرا بالضر وإن لم يذكر متعلقه ، فهو هنا الاتصاف بالكفر لأن فيه إضاعة خير الإسلام ، فهو كالضلال عن المطلوب ، وإن كان الضال غير طالب للإسلام ، لكنه بحيث لو استقبل من أمره ما استدبر لطلبه .

فاسدة ، وسوسة تقريبا لمعنى ذلك الإلقاء للأفهام كما في قوله : ﴿ من شر الوسواس الخناس ﴾ ( الناس : 4 ) وهذا التفصيل لإلقاء الشيطان كيده انفردت به هذه الآية عن آية سورة البقرة لأن هذه خطاب شامل للمشركين وهم أخلياء عن العلم بذلك فناسب تفظيع أعمال الشيطان بمسمع منهم .

واللام في : ﴿ ليبدي ﴾ لام العاقبة إذا كان الشيطان لا يعلم أن العصيان يفضي بهما إلى حدوث خاطر الشر في النفوس وظهور السوآت ، فشبه حصول الأثر عقب الفعل بحصول المعلول بعد العلة كقوله تعالى : ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ﴾ ( القصص : 8 ) وإنما التقطوه ليكون لهم قرة عين ، وحسن ذلك أن بدو سوآتهما مما يرضي الشيطان . ويجوز أن تكون لام العلة الباعثة إذا كان الشيطان يعلم ذلك بالإلهام أو بالنظر ، فالشيطان وسوس لآدم وزوجه لغرض إيقاعهما في المعصية ابتداء ، لأن ذلك طبعه الذي جبل على عمله ، ثم لغرض الإضرار بهما ، إذ كان يعلم أنهما يعصيان الله بالأكل من الشجرة ، ولما كان عدوا لهما كان يسعى إلى ما يؤذيهما ، ويحسدهما على رضى الله عنهما ، ويعلم أن العصيان يفضي بهما إلى سوء الحال على الإجمال ، فكان مظهر ذلك السوء إبداء السوآت ، فجعل مفصل العلة المجملة عند الفاعل هو العلة ، وإن لم تخطر بباله ، ويحتمل أن يكون الشيطان قد علم ذلك بعلم حصل له من قبل . والحاصل أنه أراد الإضرار ، لأنه قد استقر في طبعه عداوة البشر ، كما سيصرح به فيما بعد ، وفي قوله تعالى : ﴿ إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا ﴾ ( فاطر : 6 ) .

والإبداء ضد الإخفاء ، فالإبداء كشف الشيء وإظهاره ، ويطلق مجازا على معرفة الشيء بعد جهله يقال : بدا لي أن أفعل كذا .

وأسند إبداء السوآت إلى الشيطان لأنه المتسبب فيه على طريقة المجاز العقلي والسوآت جمع سوأة وهي اسم لما يسوء ويتعير به من النقايص ، ومن

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ٥٧