للإتيان بالموصول حتى يوميء إلى علة بناء الخبر على الصلة ، أي إنما أصابهم صغار وعذاب لإجرامهم .
والصغار بفتح الصاد الذل ، وهو مشتق من الصغر ، وهو القماءة ونقصان الشيء عن مقدار أمثاله .
وقد جعل الله عقابهم ذلا وعذابا : ليناسب كبرهم وعتوهم وعصيانهم الله تعالى . والصغار والعذاب يحصلان لهم في الدنيا بالهزيمة وزوال السيادة وعذاب القتل والأسر والخوف ، قال تعالى : ﴿ قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا ﴾ ( التوبة : 52 ) وقد حصل الأمران يوم بدر ويوم أحد ، فهلكت سادة المشركين ، وفي الآخرة بإهانتهم بين أهل المحشر ، وعذابهم في جهنم .
ومعنى ﴿ عند الله ﴾ أنه صغار مقدر عند الله ، فهو صغار ثابت محقق ، لأن الشيء الذي يجعله الله تعالى يحصل أثره عند الناس كلهم ، لأنه تكوين لا يفارق صاحبه ، كما ورد في الحديث : ( إن الله إذا أحب عبدا أمر جبريل فأحبه ثم أمر الملائكة فأحبوه ثم يوضع له القبول عند أهل الأرض ) ، فلا حاجة إلى تقدير ( من ) في قوله : ﴿ عند الله ﴾ ، ولا إلى جعل العندية بمعنى الحصول في الآخرة كما درج عليه كثير من المفسرين .
والباء في : ﴿ بما كانوا يمكرون ﴾ سببية . و ( ما ) مصدرية : أي بسبب مكرهم ، أي فعلهم المكر ، أو موصولة : أي بسبب الذي كانوا يمكرونه ، على أن المراد بالمكر الاسم ، فيقدر عائد منصوب هو مفعول به محذوف .
والمراد ب ﴿ الظالمين ﴾ الذين يحق عليهم وصف الظلم : إما لظلمهم أنفسهم وإلقائها في العواقب السيئة ، وإما لاعتدائهم على حق غيرهم فإن العصيان ظلم لحق الرب الواجب طاعته .
| 2 ( 20 ، 21 ) ﴿ لله فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هاذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين * وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين ﴾ . ) 2
كانت وسوسة الشيطان بقرب نهي آدم عن الأكل من الشجرة ، فعبر عن القرب بحرف التعقيب إشارة إلى أنه قرب قريب ، لأن تعقيب كل شيء بحسبه .
والوسوسة الكلام الخفي الذي لا يسمعه إلا المداني للمتكلم ، قال رؤبة يصف صائدا :
وسوس يدعو جاهدا رب الفلق
سرا وقد أون تأوين العقق
وسمي إلقاء الشيطان وسوسة : لأنه ألقى إليهما تسويلا خفيا من كلامم كلمهما أو انفعالل في أنفسهما . كهيئة الغاش الماكر إذ يخفي كلاما عن الحاضرين كيلا يفسدوا عليه غشه بفضح مضاره فألقى لهما كلاما في صورة التخافت ليوهمهما أنه ناصح لهما وأنه يخافت الكلام ، وقد وقع في الآية الأخرى التعبير عن تسويل الشيطان بالقول : ﴿ فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ﴾ ( طه : 120 ) ثم درج اصطلاح القرآن وكلام الرسول عليه الصلاة والسلام على تسمية إلقاء الشيطان في نفوس الناس خواطر