تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

و ( ما ) في قوله : ﴿ مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾ موصولة ، وما صدق الموصول هنا : ذكي ، بقرينة السابق الذي ما صدقه ذلك بقرينة المقام . ولما كانت الآية السابقة قد أفادت إباحة أكل ما ذكر اسم الله عليه ، وأفهمت النهي عما لم يذكر اسم الله عليه ، وهو الميتة ، وتم الحكم في شأن أكل الميتة والتفرقة بينها وبين ما ذكي وذكر اسم الله عليه ، ففي هذه الآية أفيد النهي والتحذير من أكل ما ذكر اسم غير الله عليه . فمعنى : ﴿ لم يذكر اسم الله عليه ﴾ : أنه ترك ذكر اسم الله عليه قصدا وتجنبا لذكره عليه ، ولا يكون ذلك إلا لقصد أن لا يكون الذبح لله ، وهو يساوي كونه لغير الله ، إذ لا واسطة عندهم في الذكاة بين أن يذكروا اسم الله أو يذكروا اسم غير الله ، كما تقدم بيانه عند قوله : ﴿ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ ( الأنعام : 118 ) . ومما يرشح أن هذا هو المقصود قوله هنا : ﴿ وإنه لفسق ﴾ وقوله في الآية الآتية : ﴿ أو فسقا أهل لغير الله به ﴾ ( الأنعام : 145 ) ، فعلم أن الموصوف بالفسق هنا : هو الذي وصف به هنالك ، وقيد هنالك بأنه أهل لغير الله به ، وبقرينة تعقيبه بقوله : ﴿ وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ﴾ لأن الشرك إنما يكون بذكر أسماء الأصنام على المذكى ، ولا يكون بترك التسمية .

وربما كان المشركون في تحيلهم على المسلمين في أمر الذكاة يقتنعون بأن يسألوهم ترك التسمية ، بحيث لا يسمون الله ولا يسمون للأصنام ، فيكون المقصود من الآية : تحذير المسلمين من هذا الترك المقصود به التمويه ، وأن يسمى على الذبائح غير أسماء آلهتهم .

فإن اعتددنا بالمقصد والسياق ، كان اسم الموصول مرادا به شيء معين ، لم يذكر اسم الله عليه ، فكان حكمها قاصرا على ذلك المعين ، ولا تتعلق بها مسألة وجوب التسمية في الذكاة ، ولا كونها شرطا أو غير شرط بله حكم نسيانها . وإن جعلنا هذا المقصد بمنزلة سبب للنزول ، واعتددنا بالموصول صادقا على كل ما لم يذكر اسم الله عليه ، كانت الآية من العام

أستثني ، لأن الاستثناء يقتضي ثبوت نقيض حكم المستثنى منه للمستثنى ، وهو عين مدلول : لم يكن من الساجدين فكانت الحال تأكيدا . وفي اختيار الاخبار عن نفي سجوده بجعله من غير الساجدين : إشارة إلى أنه انتفى عنه السجود انتفاء شديدا لأن قولك لم يكن فلان من المهتدين يفيد من النفي أشد مما يفيده قولك لم يكن مهتديا كما في قوله تعالى : { قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين في سورة الأنعام ( 56 ) .

ففي الآية إشارة إلى أن الله تعالى خلق في نفس إبليس جبلة تدفعه إلى العصيان عندما لا يوافق الأمر هواه ، وجعل له هوى ورأيا ، فكانت جبلته مخالفة لجبلة الملائكة . وإنما استمر في عداد الملائكة لأنه لم يحدث من الأمر ما يخالف هواه ، فلما حدث الأمر بالسجود ظهر خلق العصيان الكامن فيه ، فكان قوله تعالى : لم يكن من الساجدين } إشارة إلى أنه لم يقدر له أن يكون من الطائفة الساجدين ، أي انتفى سجوده انتفاء لارجاء في حصوله بعد ، وقد علم أنه أبى السجود إباء وذلك تمهيدا لحكاية السؤال والجواب في قوله : ﴿ قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ﴾ ابتداء المحاورة ، لأن ترك إبليس السجود لآدم بمنزلة جواب عن قول الله : ﴿ أسجدوا لآدم ﴾ ، فكان بحيث يتوجه إليه استفسار عن سبب تركه السجود ، وضمير : ﴿ قال ﴾ عائد إلى معلوم من المقام أي قال الله تعالى بقرينة قوله : ﴿ ثم قلنا للملائكة اسجدوا ﴾ ، وكان مقتضى الظاهر أن يقال : قلنا ، فكان العدول إلى ضمير الغائب التفاتا ، نكتته تحويل مقام الكلام ، إذ كان المقام مقام أمر للملائكة ومن في زمرتهم فصار مقام توبيخ لإبليس خاصة .

و ﴿ ما ﴾ للاستفهام ، وهو استفهام ظاهره حقيقي ، ومشوب بتوبيخ ، والمقصود من الاستفهام إظهار مقصد إبليس للملائكة .

و ﴿ منعك ﴾ معناه صدك وكفك عن السجود فكان مقتضى الظاهر أن يقال :

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ٣٩