تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أصبحوا جثثا هامدة ميتة على أبشع منظر لميت .

| 2 ( 79 ) ﴿ فتولى عنهم وقال ياقوم لقد أبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين ﴾ . ) 2

والفاء في قوله : ﴿ فتولى عنهم ﴾ عاطفة على جملة : ﴿ فعقروا الناقة ﴾ ( الأعراف : 77 ) والتولي الانصراف عن فراق وغضب ، ويطلق مجازا على عدم الاكتراث بالشيء ، وهو هنا يحتمل أن يكون حقيقة فيكون المراد به أنه فارق ديار قومه حين علم أن العذاب نازل بهم ، فيكون التعقيب لقوله : ﴿ فعقروا الناقة ﴾ ( الأعراف : 77 ) لأن ظاهر تعقيب التولي عنهم وخطابه إياهم أن لا يكون بعد أن تأخذهم الرجفة وأصبحوا جاثمين .

ويحتمل أن يكون مجازا بقرينة الخطاب أيضا ، أي فأعرض عن النظر إلى القرية بعد اصابتها بالصاعقة ، أو فأعرض عن الحزن عليهم واشتغل بالمؤمنين كما قال تعالى : ﴿ لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين ﴾ ( الشعراء : 3 ) .

فعلى الوجه الأول يكون قوله : ﴿ يا قومم لقد أبلغتكم ﴾ إلخ مستعملا في التوبيخ لهم والتسجيل عليهم ، وعلى الوجه الثاني يكون مستعملا في التحسر أو في التبرىء منهم ، فيكون النداء تحسر فلا يقتضي كون أصحاب الاسم المنادى ممن يعقل النداء حينئذ ، مثل ما تنادى الحسرة في : يا حسرة .

وقوله : ﴿ لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ﴾ تفسيره مثل تفسير قوله في قصة نوح عليه السلام : ﴿ أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم ﴾ ( الأعراف : 62 ) واللام في ( لقد ) لام القسم ، وتقدم نظيره عند قوله : ﴿ لقد أرسلنا نوحا ﴾ ( الأعراف : 59 ) .

والاستدراك ب ( لكن ) ناشىء عن قوله : ﴿ لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ﴾ لأنه مستعمل في التبرؤ من التقصير في معالجة كفرهم ، سواء كان بحيث هم يسمعونه أم كان قاله في نفسه ، فذلك التبرؤ يؤذن بدفع توهم تقصير في الإبلاغ والنصيحة لإنعدام ظهور فائدة الابلاغ والنصيحة ، فاستدرك بقوله : ﴿ ولكن لا تحبون الناصحين ﴾ ، أي تكرهون الناصحين فلا تطيعونهم في نصحهم ، لأن المحب لمن يحب مطيع ، فأراد بذلك الكناية عن رفضهم النصيحة .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ٢٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ٢٢٨