تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على ما فرطت في جنب الله } ( الزمر : 55 ، 56 ) وقوله : ﴿ وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ﴾ ( النحل : 15 ) أي لتجنب ميدها بكم ، وقول عمرو بن كثلوم :

فعجلنا القرى أن تشتمونا

وهذا القول يجوز أن يكون قد صدر عنهم من قبل ، فقد جاء في آية سورة القصص ( 48 ) : { فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى ، ويجوز أن يكون متوقعا ثم قالوه من بعد ، وأيا ما كان فإنه متوقع أن يكرروه ويعيدوه قولا موافقا للحال في نفس الأمر ، فكان متوقعا صدوره عند ما يتوجه الملام عليهم في انحطاطهم عن مجاوريهم من اليهود والنصارى من حيث استكمال الفضائل وحسن السير وكمال التدين ، وعند سؤالهم في الآخرة عن اتباع ضلالهم ، وعندما يشاهدون ما يناله أهل الملل الصالحة من النعيم ورفع الدرجات في ثواب الله فيتطلعون إلى حظ من ذلك ويتعللون بأنهم حرموا الإرشاد في الدنيا .

وقد كان اليهود والنصارى في بلاد العرب على حالة أكمل من أحوال أهل الجاهلية ، ألا ترى إلى قول النابغة يمدح آل النعمان بن الحارث ، وكانوا نصارى :

مجلتهم ذات الإله ودينهم

قويم فما يرجون غير العواقب

ولا يحسبون الخير لا شر بعده

ولا يحسبون الشر ضربة لازب

والطائفة : الجماعة من الناس الكثيرة ، وقد تقدم عند قوله تعالى : فلتقم طائفة منهم معك في سورة النساء ( 102 ) ، والمراد بالطائفتين هنا اليهود والنصارى .

والكتاب مراد به الجنس المنحصر في التوراة والإنجيل والزبور . ومعنى إنزال الكتاب عليهم أنهم خوطبوا بالكتب السماوية التي أنزلت على

والكسائي ، وخلف بفتح النون ، وسكون الشين على أنه مصدر ، وانتصب إما على المفعولية المطلقة لأنه مرادف ل ( أرسل ) بمعناه المجازي ، أي أرسلها إرسالا أو نشرها نشرا ، وإما على الحال من الريح ، أي ناشرة أي السحاب ، أو من الضمير في ( أرسل ) أي أرسلها ناشرا أي محييا بها الأرض الميتة ، أي محييا بآثارها وهي الأمطار .

وقرأه عاصم بالباء الموحدة في موضع النون مضمومة وبسكون الشين وبالتنوين وهو تخفيف ( بشرا ) بضمهما على أنه جمع بشير مثل نذر ونذير ، أي مبشرة للناس باقتراب الغيث .

فحصل من مجموع هذه القراءات أن الرياح تنشر السحاب ، وأنها تأتي من جهات مختلفة تتعاقب فيكون ذلك سبب امتلاء الأسحبة بالماء وأنها تحيي الأرض بعد موتها ، وأنها تبشر الناس بهبوبها ، فيدخل عليهم بها سرور .

وأصل معنى قولهم : بين يدي فلان ، أنه يكون أمامه بقرب منه ( ولذلك قوبل بالخلف في قوله تعالى : ﴿ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ﴾ ( البقرة : 255 ) ) فقصد قائله الكناية عن الأمام ، وليس صريحا ، حيث إن الأمام القريب أوسع من الكون بين اليدين ، ثم لشهرة هذه الكناية وأغلبية موافقتها للمعنى الصريح جعلت كالصريح ، وساغ أن تستعمل مجازا في التقدم والسبق القريب ، كقوله تعالى : ﴿ إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد ﴾ ( سبأ : 46 ) ، وفي تقدم شيء على شيء مع قربه منه من غير أن يكون أمامه ومن غير أن يكون للمتقدم عليه يدان . وهكذا استعماله في هذه الآية ، أي يرسل الرياح سابقة رحمته .

والرحمة هذه أريد بها المطر ، فهو من إطلاق المصدر على المفعول ، لأن الله يرحم به . والقرينة على المراد بقية الكلام ، وليست الرحمة من أسماء المطر في كلام العرب فإن ذلك لم يثبت ، وإضافة الرحمة إلى اسم الجلالة في هذه الآية تبعد دعوى من ادعاها من أسماء المطر . والمقصد الأول من قوله :

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ١٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ١٨٠