تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكل شيء } مراد به أعظم الأشياء ، أي المهمات المحتاج إلى بيان أحكامها في أحوال الدين . فتكون ( كل ) مستعملة في معنى الكثرة كما تقدم في قوله تعالى : { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك في سورة البقرة ( 145 ) . أو في معنى العظيم من الأشياء كأنه جمع الأشياء كلها .

أو يراد بالشيء : الشيء المهم ، فيكون من حذف الصفة ، كقوله : يأخذ كل سفينة غصبا } ( الكهف : 79 ) ، أي كل سفينة صالحة ، ومثله قوله تعالى : ﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء ﴾ ( الأنعام : 38 ) .

وقوله : ﴿ لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون ﴾ رجاء أن تؤمنوا بلقاء ربهم ، والضمير عائد إلى معلوم من المقام وهم بنو إسرائيل ، إذ قد علم من إيتاء موسى عليه السلام الكتاب أن المنتفعين به هم قومه بنو إسرائيل ، ومعنى ذلك : لعلهم إن تحروا في أعمالهم ، على ما يناسب الإيمان بلقاء ربهم ، فإن بني إسرائيل كانوا مؤمنين بلقاء الله من قبل نزول التوراة ، ولكنهم طرأ عليهم من أزمنة طويلة : من أطوار مجاورة القبط ، وما لحقهم من المذلة والتغرب والخصاصة والاستعباد ، ما رفع منهم العلم ، وأذوى الأخلاق الفاضلة ، فنسوا مراقبة الله تعالى ، وأفسدوا ، حتى كان حالهم كحال من لا يؤمن بأنه يلقى الله ، فأراد الله إصلاحهم ببعثة موسى عليه السلام ، ليرجعوا إلى ما كان عليه سلفهم الصالح من مراقبة الله تعالى وخشية لقائه ، والرغبة في أن يلقوه وهو راض عنهم . وهذا تعريض بأهل مكة ومن إليهم من العرب ، فكذلك كان سلفهم على هدى وصلاح ، فدخل فيهم من أضلهم ولقنهم الشرك وإنكار البعث ، فأرسل الله إليهم محمدا صلى الله عليه وسلم ليردهم إلى الهدى ويؤمنوا بلقاء ربهم .

وتقديم المجرور على عامله للاهتمام بأمر البعث والجزاء .

و ﴿ رحمة الله ﴾ : إحسانه وإيتاؤه الخبر .

والقرب حقيقته دنو المكان وتجاوره ، ويطلق على الرجاء مجازا يقال : هذا قريب ، أي ممكن مرجو ، ومنه قوله : ﴿ إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا ﴾ ( المعارج : 6 ، 7 ) فإنهم كانوا ينكرون الحشر وهو عند الله واقع لا محالة ، فالقريب هنا بمعنى المرجو الحصول وليس بقرب مكان . ودل قوله ﴿ قريب من المحسنين ﴾ على مقدر في الكلام ، أي وأحسنوا لأنهم إذا دعوا خوفا وطعما فقد تهيأوا لنبذ ما يوجب الخوف ، واكتساب ما يوجب الطمع ، لئلا يكون الخوف والطمع كاذبين ، لأن من خاف لا يقدم على المخوف ، ومن طمع لا يترك طلب المطموع ، ويتحقق ذلك بالإحسان في العمل ويلزم من الإحسان ترك السيئات ، فلا جرم تكون رحمة الله قريبا منهم ، وسكت عن ضد المحسنين رفقا بالمؤمنين وتعريضا بأنهم لا يظن بهم أن يسيئوا فتبعد الرحمة عنهم .

وعدم لحاق علامة التأنيث لوصفف ﴿ قريب ﴾ مع أن موصوفه مؤنث اللفظ ، وجهه علماء العربية بوجوه كثيرة ، وأشار إليها في ( الكشاف ) .

وجلها يحوم حول تأويل الاسم المؤنث بما يرادفه من اسمم مذكر ، أو الاعتذار بأن بعض الموصوف به غير حقيقي التأنيث كما هنا ، وأحسنها عندي قول الفراء وأبي عبيدة : أن قريبا أو بعيدا إذا أطلق على قرابة النسب أو بعد النسب فهو مع المؤنث بتاء ولا بد ، وإذا أطلق على قرب المسافة أو بعدها جاز فيه مطابقة موصوفه وجاز فيه التذكير على التأويل بالمكان ، وهو الأكثر ، قال الله تعالى : ﴿ وما هي من الظالمين ببعيد ﴾ ( هود : 83 ) وقال : ﴿ وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا ﴾ ( الأحزاب : 63 ) . ولما كان إطلاقه في هذه الآية على وجه الاستعارة من قرب المسافة جرى على الشائع في استعماله في المعنى الحقيقي ، وهذا من لطيف الفروق العربية في استعمال المشترك إزالة للإبهام بقدر الإمكان .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ١٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ١٧٧