تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قوله : ما حرم ربكم } ( الأنعام : 151 ) لغرض الإيماء إلى عصمة هذا الصراط من الزلل ، لأن كونه صراط الله يكفي في إفادة أنه موصل إلى النجاح ، فلذلك صح تفريع الأمر باتباعه على مجرد كونه صراط الله . ويجوز عود الياء إلى النبيء المأمور بالقول ، إلا أن هذا يستدعي بناء التفريع بالأمر باتباعه على ادعاء أنه واضح الاستقامة ، وإلا فإن كونه طريق النبيء لا يقتضي تسبب الأمر باتباعه عنه بالنسبة إلى المخاطبين المكذبين .

وقوله : ﴿ مستقيما ﴾ حال من اسم الإشارة ، وحسن وقوعه حالا أن الإشارة بنيت على ادعاء أنه مشاهد ، فيقتضي أنه مستحضر في الذهن بمجمل كلياته وما جربوه منه وعرفوه ، وأن ذلك يريهم أنه في حال الاستقامة كأنه أمر محسوس ، ولذلك كثر مجيء الحال من اسم الإشارة نحو : ﴿ وهذا بعلي شيخا ﴾ ( هود : 72 ) ولم يأتوا به خبرا .

والسبل : الطرق ، ووقوعها هنا في مقابلة الصراط المستقيم يدل على صفة محذوفة ، أي السبل المتفرقة غير المستقيمة ، وهي التي يسمونها : بنيات الطريق ، وهي طرق تتشعب من السبيل الجادة ذاهبة ، يسلكها بعض الماره فرادى إلى بيوتهم أو مراعيهم فلا تبلغ إلى بلد ولا إلى حي ، ولا يستطيع السير فيها إلا من عقلها واعتادها ، فلذلك سبب عن النهي قوله : ﴿ فتفرق بكم عن سبيله ﴾ ، أي فإنها طرق متفرقة فهي تجعل سالكها متفرقا عن السبيل الجادة ، وليس ذلك لأن السبيل اسم للطريق الضيقة غير الموصلة ، فإن السبيل يرادف الصراط ألا ترى إلى قوله : ﴿ قل هذه سبيلي ﴾ ( يوسف : 108 ) ، بل لأن المقابلة والإخبار عنها بالتفرق دل على أن المراد سبل خاصة موصوفة بغير الاستقامة .

والباء في قوله : ﴿ بكم ﴾ للمصاحبة : أي فتتفرق السبل مصاحبة لكم ، أي تتفرقون مع تفرقها ، وهذه المصاحبة المجازية تجعل الباء بمنزلة

والمراد ب { المعتدين : المشركون ، لأن يرادف الظالمين . 6

والمعنى : ادعوا ربكم لأنه يحبكم ولا يحب المعتدين ، كقوله : وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين } ( غافر : 60 ) تعريض بالوعد بإجابة دعاء المؤمنين وأنه لا يستجيب دعاء الكافرين ، قال تعالى : ﴿ وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ﴾ ( الرعد : 14 ) على أحد تأويلين فيها . وحمل بعض المفسرين التضرع على الخضوع ، فجعلوا الآية مقصورة على طلب الدعاء الخفي حتى بالغ بعضهم فجعل الجهر بالدعاء منهيا عنه ، وتجاوز بعضهم فجعل قوله : ﴿ إنه لا يحب المعتدين ﴾ تأكيدا لمعنى الأمر بإخفاء الدعاء ، وجعل الجهر بالدعاء من الاعتداء والجاهرين به من المعتدين الذين لا يحبهم الله . ونقل ذلك عن ابن جريج ، وأحسب أنه نقل عنه غير مضبوط العبارة ، كيف وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم جهرا ودعا أصحابه .

| 2 ( 56 ) ﴿ ولا تفسدوا فى الارض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين ﴾ . ) 2

عطف النهي عن الفساد في الأرض على جملة ﴿ إنه لا يحب المعتدين ﴾ ( الأعراف : 55 ) عطفا على طريقة الاعتراض ، فإن الكلام لما أنبأ عن عناية الله بالمسلمين وتقريبه إياهم إذ أمرهم بأن يدعوه وشرفهم بذلك العنوان العظيم في قوله : ﴿ ربكم ﴾ ( الأعراف : 55 ) ، وعرض لهم بمحبته إياهم دون أعدائهم المعتدين ، أعقبه بما يحول بينهم وبين الإدلال على الله بالاسترسال فيما تمليه عليهم شهواتهم من ثوران القوتين الشهوية والغضبية ، فإنهما تجنيان فسادا في الغالب ، فذكرهم بترك الإفساد ليكون صلاحهم منزها عن أن يخالطه فساد ، فإنهم إن أفسدوا في الأرض أفسدوا مخلوقات كثيرة وأفسدوا أنفسهم في ضمن ذلك الإفساد ، فأشبه موقع الاحتراس ، وكذلك دأب القرآن أن يعقب الترغيب بالترهيب ، وبالعكس ، لئلا يقع الناس في اليأس أو الأمن .

والاهتمام بدرء الفساد كان مقاما هنا مقتضيا التعجيل بهذا النهي معترضا بين جملتي الأمر بالدعاء .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ١٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ١٧٣