تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بفتح الهمزة وسكون النون على أنها مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن مقدر والجملة بعده خبره ، والأحسن تخريجها بكون ﴿ أن ﴾ تفسيرية معطوفة على : ﴿ ألا تشركوا ﴾ ( الأنعام : 151 ) . ووجه إعادة ﴿ أن ﴾ اختلاف أسلوب الكلام عما قبله .

والإشارة إلى الإسلام : أي وأن الإسلام صراطي ؛ فالإشارة إلى حاضر في أذهان المخاطبين من أثر تكرر نزول القرآن وسماع أقوال الرسول عليه الصلاة والسلام ، بحيث عرفه الناس وتبينوه ، فنزل منزلة المشاهد ، فاستعمل فيه اسم الإشارة الموضوع لتعيين ذات بطريق المشاهدة مع الإشارة ، ويجوز أن تكون الإشارة إلى جميع التشريعات والمواعظ التي تقدمت في هذه السورة ، لأنها صارت كالشيء الحاضر المشاهد ، كقوله تعالى : ﴿ ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ﴾ ( آل عمران : 44 ) .

والصراط : الطريق الجادة الواسعة ، وقد مر في قوله تعالى : ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ ( الفاتحة : 6 ) والمراد الإسلام كما دل عليه قوله في آخر السورة : ﴿ قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ﴾ ( الأنعام : 161 ) لأن المقصود منها تحصيل الصلاح في الدنيا والآخرة فشبهت بالطريق الموصل السائر فيه إلى غرضه ومقصده .

ولما شبه الإسلام بالصراط وجعل كالشيء المشاهد صار كالطريق الواضحة البينة فادعي أنه مستقيم ، أي لا اعوجاج فيه لأن الطريق المستقيم أيسر سلوكا على السائر وأسرع وصولا به .

والياء المضاف إليها ( صراط ) تعود على الله ، كما بينه قوله : وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله ( الشورى : 52 ، 53 ) على إحدى طريقتين في حكاية القول إذا كان في المقول ضمير القائل أو ضمير الآمر بالقول ، كما تقدم عند قوله تعالى : { ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم في سورة العقود ( 117 ) ، وقد عدل عن طريقة الغيبة ، التي جرى عليها الكلام من

أو مفعولا مطلقا ل ﴿ ادعوا ، لأن التذلل بعض أحوال الدعاء فكأنه نوع منه ، وجعلوا قوله : وخفية ﴾ مأمورا به مقصودا بذاته ، أي ادعوه مخفين دعاءكم ، حتى أوهم كلام بعضهم أن الإعلان بالدعاء منهي عنه أو غير مثوب عليه ، وهذا خطأ : فإن النبيء صلى الله عليه وسلم دعا علنا غير مرة . وعلى المنبر بمسمع من الناس وقال : ( اللهم اسقنا ) وقال : ( اللهم حوالينا ولا علينا ) وقال : ( اللهم عليك بقريش ) الحديث . وما رويت أدعيته إلا لأنه جهر بها يسمعها من رواها ، فالصواب أن قوله : ﴿ تضرعا ﴾ إذن بالدعاء بالجهر والإخفاء ، وأما ما ورد من النهي عن الجهر فإنما هو عن الجهر الشديد الخارج عن حد الخشوع . وقرأ الجمهور ﴿ وخفية ﴾ بضم الخاء وقرأه أبو بكر بكسر الخاء وتقدم في الأنعام .

وجملة ﴿ إنه لا يحب المعتدين ﴾ واقعة موقع التعليل للأمر بالدعاء ، إشارة إلى أنه أمر تكريم للمسلمين يتضمن رضى الله عنهم ، ولكن سلك في التعليل طريق إثبات الشيء بإبطال ضده ، تنبيها على قصد الأمرين وإيجازا في الكلام . ولكون الجملة واقعة موقع التعليل افتتحت ب ( إن ) المفيدة لمجرد الاهتمام ، بقرينة خلو المخاطبين عن التردد في هذا الخبر ، ومن شأن ( إن ) إذا جاءت على هذا الوجه أن تفيد التعليل والربط ، وتقوم مقام الفاء ، كما نبه عليه الشيخ عبد القاهر .

وإطلاق المحبة وصفا لله تعالى ، في هذه الآية ونحوها ، إطلاق مجازي مراد بها لازم معنى المحبة ، بناء على أن حقيقة المحبة انفعال نفساني ، وعندي فيه احتمال ، فقالوا : أريد لازم المحبة ، أي في المحبوب والمحب ، فيلزمها اتصاف المحبوب بما يرضي المحب لتنشأ المحبة التي أصلها الاستحسان ، ويلزمها رضى المحب عن محبوبه وإيصال النفع له . وهذان اللازمانن متلازمان في أنفسهما . فإطلاق المحبة وصفا لله مجاز بهذا اللازم المركب .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ١٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ١٧٢