تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقرأ الجمهور ﴿ منزل ﴾ بتخفيف الزاي وقرأ ابن عامر وحفص بالتشديد والمعنى متقارب أو متحد ، كما تقدم في قوله تعالى : { نزل عليك الكتاب بالحق في أول سورة آل عمران ( 3 ) .

والخطاب في قوله : فلا تكونن من الممترين } ( البقرة : 147 ) يحتمل أن يكون خطابا للنبيء صلى الله عليه وسلم فيكون التفريع على قوله : ﴿ يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ﴾ أي فلا تكن من الممترين في أنهم يعلمون ذلك ، والمقصود تأكيد الخبر كقول القائل بعد الخبر : هذا ما لا شك فيه ، فالامتراء المنفي هو الامتراء في أن أهل الكتاب يعلمون ذلك ، لأن غريبا اجتماع علمهم وكفرهم به ، ويجوز أن يكون خطابا لغير معين ، ليعم كل من يحتاج إلى مثل هذا الخطاب ، أي فلا تكونن أيها السامع من الممترين ، أي الشاكين في كون القرآن من عند الله ، فيكون التفريع على قوله : ﴿ منزل من ربك بالحق ﴾ أي فهذا أمر قد اتضح . فلا تكن من الممترين فيه . ويحتمل أن يكون المخاطب الرسول عليه الصلاة والسلام ، والمقصود من الكلام المشركون الممترون ، على طريقة التعريض ، كما يقال : ( إياك أعني واسمعي يا جاره ) . ومنه قوله تعالى : ﴿ ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ﴾ ( الزمر : 65 ) . وهذا الوجه هو أحسن الوجوه ، والتفريع فيه كما في الوجه الثاني .

وعلى كل الوجوه كان حذف متعلق الامتراء لظهوره من المقام تعويلا على القرينة ، وإذ قد كانت هذه الوجوه الثلاثة غير متعارضة ، صح أن يكون جميعها مقصودا من الآية . لتذهب أفهام السامعين إلى ما تتوصل إليه منها . وهذا فيما أرى من مقاصد إيجاز القرآن وهو معنى الكلام الجامع ، ويجيء مثله في آيات كثيرة ، وهو من خصائص القرآن .

| 2 ( 115 ) ﴿ وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم ﴾ . ) 2

والمجرور في موضع الحال من فاعل ﴿ تتبعوا ﴾ ، أي لا تتبعوا أولياء متخذينها دونه ، فإن المشركين وإن كانوا قد اعترفوا لله بالإلهية واتبعوا أمره بزعمهم في كثير من أعمالهم : كالحج ومناسكه ، والحلف باسمه ، فهم أيضا اتبعوا الأصنام بعبادتها أو نسبة الدين إليها ، فكل عمل تقربوا به إلى الأصنام ، وكل عمل عملوه امتثالا لأمر ينسب إلى الأصنام ، فهم عند عمله يكونون متبعين اتباعا فيه اعراض عن الله وترك للتقرب إليه ، فيكون اتباعا من دون الله ، فيدخل في النهي ، وبهذا النهي قد سدت عليهم أبواب الشرك وتأويلاته كقولهم : ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ﴾ ( الزمر : 3 ) فقد جاء قوله : ﴿ ولا تتبعوا من دونه أولياء ﴾ في أعلى درجة من الايجاز واستيعاب المقصود .

وأفاد مجموع قوله : ﴿ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء ﴾ مفاد صيغة قصر ، كأنه قال : لا تتبعوا إلا ما أمر به ربكم ، أي دون ما يأمركم به أولياؤكم ، فعدل عن طريق القصر لتكون جملة : ﴿ ولا تتبعوا من دونه أولياء ﴾ مستقلة صريحة الدلالة اهتماما بمضمونها على نحو قول السموأل أو الحارثي :

تسيل على حد الظبات نفوسنا

وليست على غير الظبات تسيل

وجملة : ﴿ قليلا ما تذكرون ﴾ هي في موضع الحال من ﴿ لا تتبعوا ﴾ ، وهي حال سببية وكاشفة لصاحبها ، وليست مقيدة للنهي : لظهور أن المتبعين أولياء من دون الله ليسوا إلا قليلي التذكر . ويجوز جعل الجملة اعتراضا تذييليا . ولفظ ( قليلا ) يجوز أن يحمل على حقيقته لأنهم قد يتذكرون ثم يعرضون عن التذكر في أكثر أحوالهم فهم في غفلة معرضون ، ويجوز أن يكون ( قليلا ) مستعارا لمعنى النفي والعدم على وجه التلميح كقوله تعالى : ﴿ فقليلا ما يؤمنون ﴾ ( البقرة : 88 ) ( فإن الإيمان لا يوصف بالقلة والكثرة ) .

والتذكر مصدر الذكر بضم الذال وهو حضور الصورة في الذهن .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ١٧