وعقب بفعل : ﴿ تعالوا ﴾ اهتماما بالغرض المنتقل إليه بأنه أجدى عليهم من تلك السفاسف التي اهتموا بها وهذا على أسلوب قوله تعالى : ﴿ ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ﴾ ( البقرة : 177 ) الآيات . وقوله : ﴿ أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر ﴾ ( التوبة : 19 ) الآية ، ليعلموا البون بين ما يدعون إليه قومهم وبين ما يدعوهم إليه الإسلام ، من جلائل الأعمال ، فيعلموا أنهم قد أضاعوا أزمانهم وأذهانهم .
وافتتاحه بطلب الحضور دليل على أن الخطاب للمشركين الذين كانوا في إعراض . وقد تلا عليهم أحكاما قد كانوا جارين على خلافها مما أفسد حالهم في جاهليتهم ، وفي ذلك تسجيل عليهم بسوء أعمالهم مما يؤخذ من النهي عنها والأمر بضدها .
وقد انقسمت الأحكام التي تضمنتها هذه الجمل المتعاطفة في الآيات الثلاث المفتتحة بقوله : ﴿ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ﴾ إلى ثلاثة أقسام :
الأول : أحكام بها إصلاح الحالة الاجتماعية العامة بين الناس وهو ما افتتح بقوله : ﴿ ألا تشركوا به شيئا ﴾ .
الثاني : ما به حفظ نظام تعامل الناس بعضهم مع بعض وهو المفتتح بقوله : ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم ﴾ ( الأنعام : 152 ) .
الثالث : أصل كلي جامع لجميع الهدى وهو اتباع طريق الإسلام والتحرز من الخروج عنه إلى سبل الضلال وهو المفتتح بقوله : ﴿ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ﴾ ( الأنعام : 153 ) .
وقد ذيل كل قسم من هذه الأقسام بالوصاية به بقوله : ﴿ ذلكم وصاكم به ﴾ ثلاث مرات .
يصنعون . ولذلك رتبوا عليه وفرعوا بالفاء قولهم : ﴿ فهل لنا من شفعاء ﴾ إلى آخره .
والاستفهام يجوز أن يكون حقيقيا يقوله بعضهم لبعض ، لعل أحدهم يرشدهم إلى مخلص لهم من تلك الورطة ، وهذا القول يقولونه في ابتداء رؤية ما يهددهم قبل أن يوقنوا بانتفاء الشفعاء المحكي عنهم في قوله تعالى : ﴿ فما لنا من شافعين ولا صديق حميم ﴾ ( الشعراء : 100 ، 101 ) ويجوز أن يكون الاستفهام مستعملا في التمني ، ويجوز أن يكون مستعملا في النفي . على معنى التحسر والتندم . و ﴿ من ﴾ زائدة للتوكيد . على جميع التقادير . فتفيد توكيد العموم في المستفهم عنه ، ليفيد أنهم لا يسألون عمن توهموهم شفعاء من أصنامهم ، إذ قد يئسوا منهم . كما قال تعالى : ﴿ وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء ﴾ ( الأعراف : 94 ) بل هم يتساءلون عن أي شفيع يشفع لهم . ولو يكون الرسول عليه الصلاة والسلام الذي ناصبوه العداء في الحياة الدنيا . ونظيره قوله تعالى في سورة المؤمن ( 11 ) { فهل إلى خروج من سبيل .
وانتصب فيشفعوا } على جواب الاستفهام ، أو التمني ، أو النفي .
( والشفعاء ) جمع شفيع وهو الذي يسعى بالشفاعة ، وهم يسمون أصنامهم شفعاء قال تعالى : ﴿ ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ ( يونس : 18 ) .
وتقدم معنى الشفاعة عند قوله تعالى : { ولا يقبل منها شفاعة في سورة البقرة ( 48 ) . وعند قوله : من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة في سورة البقرة ( 254 ) وعند قوله : من يشفع شفاعة حسنة في سورة النساء ( 85 ) .
وعطف فعل نرد } ب ( أو ) على مدخول الاستفهام ، فيكون الاستفهام عن أحد الأمرين ، لأن أحدهما لا يجتمع مع الآخر ، فإذا حصلت الشفاعة فلا حاجة إلى الرد ، وإذا حصل الرد استغني عن الشفاعة .