وقوله : والذين لا يؤمنون بالآخرة } عطف على ﴿ الذين كذبوا ﴾ والمقصود عطف الصلة على الصلة لأن أصحاب الصلتين متحدون ، وهم المشركون ، فهذا كعطف الصفات في قول القائل ، أنشده الفراء :
إلى الملك القرم وابن الهما
م وليثث الكتيبة في المزدحم
كان مقتضى الظاهر أن لا يعاد اسم الموصول لأن حرف العطف مغن عنه ، ولكن أجري الكلام على خلاف مقتصى الظاهر لزيادة التشهير بهم ، كما هو بعض نكت الإظهار في مقام الإضمار . وقيل : أريد بالذين كذبوا بالآيات : الذين كذبوا الرسول عليه الصلاة والسلام والقرآن ، وهم أهل الكتابين ، وبالذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون : المشركون ، وقد تقدم معنى : ﴿ بربهم يعدلون ﴾ عند قوله تعالى : { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون في أول هذه السورة ( 1 ) .
$ 2 ( 151 ) { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلو &
1764 ا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق ذالكم وصاكم به لعلكم تعقلون } . ) 2 $
استئناف ابتدائي للانتقال من إبطال تحريم ما ادعوا تحريمه من لحوم الأنعام ، إلى دعوتهم لمعرفة المحرمات ، التي علمها حق وهو أحق بأن يعلموه مما اختلقوا من افترائهم وموهوا بجدلهم . والمناسبة لهذا الانتقال ظاهرة فالمقام مقام تعليم وإرشاد ، ولذلك ابتدىء بأمر الرسول عليه الصلاة والسلام بفعل القول استرعاء للأسماع كما تقدم آنفا .
وإتيان تأويله مجاز في ظهوره وتبينه بعلاقة لزوم ذلك للإتيان . والتأويل مراد به ما به ظهور الأشياء الدالة على صدق القرآن . فيما أخبرهم وما توعدهم .
و ﴿ الذين نسوه ﴾ هم المشركون ، وهم معاد ضمير ﴿ ينظرون ﴾ فكان مقتضى الظاهر أن يقال : يقولون ، إلا أنه أظهر بالموصولية لقصد التسجيل عليهم بأنهم نسوه وأعرضوا عنه وأنكروه ، تسجيلا مرادا به التنبيه على خطئهم والنعي عليهم بأنهم يجرون بإعراضهم سوء العاقبه لأنفسهم .
والنسيان مستعمل في الإعراض والصد ، كما تقدم في قوله : ﴿ كما نسوا لقاء يومهم هذا ﴾ ( الأعراف : 51 ) .
والمضاف إليه المقدر المنبيء عنه بناء ( قبل ) على الضم : هو التأويل ، أو اليوم ، أي من قبل تأويله ، أو من قبل ذلك اليوم ، أي في الدنيا . والقول هنا كناية عن العلم والاعتقاد ، لأن الأصل في الأخبار مطابقتها لاعتقاد المخبر ، أي يتبين لهم الحق ويصرحون به .
وهذا القول يقوله بعضهم لبعض اعترافا بخطئهم في تكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم وما أخبر به عن الرسل من قبله ، ولذلك جمع الرسل هنا ، مع أن الحديث عن المكذبين محمدا صلى الله عليه وسلم وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهم الأمثال بالرسل السابقين ، وهم لما كذبوه جرأهم تكذيبه على إنكار بعثة الرسل إذ قالوا ﴿ ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ ( الأنعام : 91 ) أو لأنهم مشاهدون يومئذ ما هو عقاب الأمم السابقة على تكذيب رسلهم ، فيصدر عنهم ذلك القول عن تأثر بجميع ما شاهدوه من التهديد الشامل لهم ولمن عداهم من الأمم .
وقولهم : ﴿ قد جاءت رسل ربنا بالحق ﴾ خبر مستعمل في الإقرار بخطئهم في تكذيب الرسل ، وإنشاء للحسرة على ذلك ، وإبداء الحيرة فيما ذا