يحرم بمكة غيرها من لحم الحيوان الذي يأكلونه ، وهذه السورة مكية كلها على الصحيح ، ثم حرم بالمدينة أشياء أخرى ، وهي : المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وأكيلة السبع بآية سورة العقود ( 3 ) . وحرم لحم الحمر الإنسية بأمر النبيء صلى الله عليه وسلم على اختلاف بين العلماء في أن تحريمه لذاته كالخنزير ، أو لكونها يومئذ حمولة جيش خيبر ، وفي أن تحريمه عند القائلين بأنه لذاته مستمر أو منسوخ ، والمسألة ليست من غرض التفسير فلا حاجه بنا إلى ما تكلفوه من تأويل حصر هذه الآية المحرمات في الأربعة . وكذلك مسألة تحريم لحم كل ذي ناب من السباع ولحم سباع الطير وقد بسطها القرطبي وتقدم معنى : { أهل لغير الله به في تفسير سورة المائدة ( 3 ) .
وقرأ الجمهور : إلا أن يكون } بياء تحتية ونصب ﴿ ميتة ﴾ وما عطف عليها وقرأه ابن كثير ، وابن عامر ، وحمزة بتاء فوقية ونصب ﴿ ميتة ﴾ وما عطف عليه عند من عدا ابن عامر . وقرأه ابن عامر وأبو جعفر بتاء فوقية ورفع ﴿ ميتة ﴾ ويشكل على هذه القراءة أن المعطوف على ميتة منصوبات وهي : ﴿ أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به ﴾ . ولم يعرج عليها صاحب ( الكشاف ) ، وقد خرجت هذه القراءة على أن يكون : ﴿ أو دما مسفوحا ﴾ عطفا على ﴿ أن ﴾ وصلتها لأنه محل نصب بالاستثناء فالتقدير : إلا وجود ميتة ، فلما عبر عن الوجود بفعل ﴿ يكون ﴾ التام ارتفع ما كان مضافا إليه .
وقوله : ﴿ فمن اضطر غير باغ ولا عاد ﴾ تقدم القول في نظيره في سورة البقرة ( 173 ) في قوله : { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه .
وإنما جاء المسند إليه في جملة الجزاء وهو ربك } معرفا بالإضافة دون العلمية كما في آية سورة البقرة ( 192 ) : { فإن الله غفور رحيم لما يؤذن به لفظ الرب من الرأفة واللطف بالمربوب والولاية ، تنبيها على أن الله جعل هذه الرخصة
إظهار هذه السبيل عوجاء ، أي يختلقون لها نقائص يموهونها على الناس تنفيرا عن الإسلام كقولهم : ﴿ هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد أفترى على الله كذبا أم به جنة ﴾ ( سبأ : 7 ، 8 ) ، وتقدم تفسيره عند قوله تعالى : { يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا في سورة آل عمران ( 99 ) .
وورد وصفهم بالكفر بطريق الجملة الاسمية في قوله : وهم بالآخرة كافرون } للدلالة على ثبات الكفر فيهم وتمكنه منهم ، لأن الكفر من الاعتقادات العقلية التي لا يناسبها التكرر ، فلذلك خولف بينه وبين وصفهم بالصد عن سبيل الله وبغي إظهار العوج فيها ، لأن ذينك من الأفعال القابلة للتكرير ، بخلاف الكفر فإنه ليس من الأفعال ، ولكنه من الانفعالات ، ونظير ذلك قوله تعالى : ﴿ يرزق من يشاء وهو القوي العزيز ﴾ ( الشورى : 19 ) .
| 2 ( 46 ، 47 ) ﴿ وبينهما حجاب وعلى الاعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون * وإذا صرفت أبصارهم تلقآء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين ﴾ . ) 2
تقديم ﴿ وبينهما ﴾ وهو خبر على المبتدأ للاهتمام بالمكان المتوسط بين الجنة والنار وما ذكر من شأنه . وبهذا التقديم صح تصحيح الابتداء بالنكرة ، والتنكير للتعظيم .
وضمير ﴿ بينهما ﴾ يعود إلى لفظي الجنة والنار الواقعين في قوله ﴿ ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار ﴾ ( الأعراف : 44 ) وهما اسما مكان ، فيصلح اعتبار