والرجس : الخبيث والقذر . وقد مضى بيانه عند قوله تعالى : { كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون في هذه السورة ( 125 ) .
فإن كان الضمير عائدا إلى لحم الخنزير خاصة فوصفه برجس تنبيه على ذمه . وهو ذم زائد على التحريم ، فوصفه به تحذير من تناوله . وتأنيس للمسلمين بتحريمه ، لأن معظم العرب كانوا يأكلون لحم الخنزير بخلاف الميتة والدم فما يأكلونها إلا في الخصاصة . وخباثة الخنزير علمها الله تعالى الذي خلقه . وتبين أخيرا أن لحمه يشتمل على ذرات حيوانية مضرة لآكله أثبتها علم الحيوان وعلم الطب . وقيل : أريد أنه نجس لأنه يأكل النجاسات وهذا لا يستقيم لأن بعض الدواب تأكل النجاسة وتسمى الجلالة وليست محرمة الأكلل في صحيح أقوال العلماء .
وإن كان الضمير عائدا إلى الثلاثة بتأويل المذكور كان قوله : فإنه رجس } تنبيها على علة التحريم وأنها لدفع مفسدة تحصل من أكل هذه الأشياء . وهي مفسدة بدنية . فأما الميتة فلما يتحول إليه جسم الحيوان بعد الموت من التعفن ، ولأن المرض الذي كان سبب موته قد ينتقل إلى آكله . وأما الدم فلأن فيه أجزاء مضرة . ولأن شربه يورث ضراوة .
والفسق : الخروج عن شيء . وهو حقيقة شرعية في الخروج عن الإيمان ، أو عن الطاعة الشرعية ، فلذلك يوصف به الفعل الحرام باعتبار كونه سببا لفسق صاحبه عن الطاعة . وقد سمى القرآن ما أهل به لغير الله فسقا في الآية السالفة وفي هذه الآية ، فصار وصفا مشهورا لما أهل به لغير الله ، ولذلك أتبعه بقوله : ﴿ أهل لغير الله به ﴾ . فتكون جملة : ﴿ أهل لغير الله به ﴾ صفة أو بيانا ل ﴿ فسقا ﴾ ، وفي هذا تنبيه على أن تحريم ما أهل لغير الله به ليس لأن لحمه مضر بل لأن ذلك كفر بالله .
وقد دلت الآية على انحصار المحرمات من الحيوان في هذه الأربعة ، وذلك الانحصار بحسب ما كان محرما يوم نزول هذه الآية ، فإنه لم
حينئذ قد علموا الحق وشاهدوه كما دل عليه قولهم : ﴿ نعم ﴾ . وإنما عرفوا بتلك الأحوال الماضية لأن النفوس البشرية تعرف بالأحوال التي كانت متلبسة بها في مدة الحياة الأولى . فبالموت تنتهي أحوال الإنسان فيستقر اتصاف نفسه بما عاشت عليه ، وفي الحديث : ( يبعث كل عبد على ما مات عليه ) رواه مسلم ، ويجوز أن تكون هذه اللعنة كانت الملائكة يلعنونهم بها في الدنيا . فجهروا بها في الآخرة ، لأنها صارت كالشعار للكفرة ينادون بها ، وهذا كما جاء في الحديث : ( يؤتى بالمؤذنين يوم القيامة يصرخون بالأذان ) مع أن في ألفاظ الأذان ما لا يقصد معناه يومئذ وهو : ( حي على الصلاة حي على الفلاح ) . وفي حكاية ذلك هنا إعلام لأصحاب هذه الصفات في الدنيا بأنهم محقوقون بلعنة الله تعالى .
والمراد بالظالمين : المشركون ، وبالصد عن سبيل الله : إما تعرض المشركين للراغبين في الإسلام بالأذى والصرف عن الدخول في الدين بوجوه مختلفة ، وسبيل الله ما به الوصول إلى مرضاته وهو الإسلام ، فيكون الصد مرادا به المتعدي إلى المفعول . وإما إعراضهم عن سماع دعوة الإسلام وسماع القرآن ، فيكون الصد مرادا به القاصر ، الذي قيل : إن مضارعه بكسر الصاد ، أو إن حق مضارعه كسر الصاد ، إذ قيل لم يسمع مكسور الصاد ، وإن كان القياس كسر الصاد في اللازم وضمها في المتعدي .
والضمير المؤنث في قوله : ﴿ ويبغونها ﴾ عائد إلى ﴿ سبيل الله ﴾ . لأن السبيل يذكر ويؤنث قال تعالى : ﴿ قل هذه سبيلي ﴾ ( يوسف : 108 ) وقال : ﴿ وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا ﴾ ( الأعراف : 146 ) .
والعوج : ضد الاستقامة ، وهو بفتح العين في الأجسام : وبكسر العين في المعاني . وأصله أن يجوز فيه الفتح والكسر . ولكن الاستعمال خصص الحقيقة بأحد الوجهين والمجاز بالوجه الآخر ، وذلك من محاسن الاستعمال ، فالإخبار عن السبيل ( عوج ) إخبار بالمصدر للمبالغة ، أي ويرومون ويحاولون