تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأنهم إن طمعوا في غير ذلك منه فقد طمعوا منكرا ، فتقدير القول متعين لأن الكلام لا يناسب إلا أن يكون من قول النبي عليه الصلاة والسلام .

والفاء لتفريع الجواب عن مجموع أقوالهم ومقترحاتهم ، فهو من عطف التلقين بالفاء : كما جاء بالواو في قوله تعالى : ﴿ قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي ﴾ ( البقرة : 124 ) ، ومنه بالفاء قوله في سورة الزمر ( 64 ) : ﴿ قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون فكأن المشركين دعوا النبي إلى التحاكم في شأن نبوءته بحكم ما اقترحوا عليه من الآيات ، فأجابهم بأنه لا يضع دين الله للتحاكم ، ولذلك وقع الإنكار أن يحكم غير الله تعالى ، مع أن حكم الله ظاهر بإنزال الكتاب مفصلا بالحق ، وبشهادة أهل الكتاب في نفوسهم ، ومن موجبات التقديم كون المقدم يتضمن جوابا لرد طلب طلبه المخاطب ، كما أشار إليه صاحب الكشاف ﴾ في قوله تعالى : ﴿ قل أغير الله أبغي ربا في هذه السورة ﴾ ( الأنعام : 164 ) . والهمزة للاستفهام الإنكاري : أي إن ظننتم ذلك فقد ظننتم منكرا .

وتقديم ﴿ أفغير الله ﴾ على ﴿ أبتغي ﴾ لأن المفعول هو محل الإنكار . فهو الحقيق بموالاة همزة الاستفهام الإنكاري ، كما تقدم في قوله تعالى : { قل أغير الله أتخذ وليا في هذه السورة ( 14 ) .

والحكم : الحاكم المتخصص بالحكم الذي لا ينقض حكمه ، فهو أخص من الحاكم ، ولذلك كان من أسمائه تعالى : الحكم ، ولم يكن منها : الحاكم . وانتصب حكما } على الحال .

والمعنى : لا أطلب حكما بيني وبينكم غير الله الذي حكم حكمه عليكم بأنكم أعداء مقترفون .

يعسر السلوك فيه ، ويستعار لحالة النفس عند الحزن والغضب والأسف ، لأنهم تخيلوا للغاضب والآسف ضيقا في صدره لما وجدوه يعسر منه التنفس من انقباض أعصاب مجاري النفس ، وفي معنى الآية قوله تعالى : ﴿ فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير ﴾ ( هود : 12 ) .

و ﴿ لتنذر ﴾ متعلق ب ﴿ أنزل ﴾ على معنى المفعول لأجله ، واقترانه بلام التعليل دون الإتيان بمصدر منصوب لاختلاف فاعل العامل وفاعل الإنذار . وجعل الإنذار به مقدما في التعليل لأنه الغرض الأهم لإبطال ما عليه المشركون من الباطل وما يخلفونه في الناس من العوائد الباطلة التي تعاني أزالتها من الناس بعد إسلامهم .

﴿ ذكرى ﴾ يجوز أن يكون معطوفا على ﴿ لتنذر به ﴾ ، باعتبار انسباكه بمصدر فيكون في محل جر ، ويجوز أن يكون العطف عطف جملة ، ويكون ﴿ ذكرى ﴾ مصدرا بدلا من فعله ، والتقدير : وذكر ذكرى للمؤمنين ، فيكون في محل نصب فيكون اعتراضا .

وحذف متعلق ﴿ تنذر ﴾ ، وصرح بمتعلق ﴿ ذكرى ﴾ لظهور تقدير المحذوف من ذكر مقابله المذكور ، والتقدير : لتنذر به الكافرين ، وصرح بمتعلق الذكرى دون متعلق ﴿ تنذر ﴾ تنويها بشأن المؤمنين وتعريضا بتحقير الكافرين تجاه ذكر المؤمنين .

| 2 ( 3 ) ﴿ اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أوليآء قليلا ما تذكرون ﴾ . ) 2

بيان لجملة : ﴿ لتنذر به ﴾ ( الأعراف : 2 ) بقرينة تذييلها بقوله : قليلا ما تذكرون . فالخطاب موجه للمشركين ويندرج فيه المسلمون بالأولى ، فبعد

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ١٤