تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ل ﴿ يقترفون ﴾ مفعولا لأنه لا يكون إلا اكتساب الشر ، ولم يقل : سيجزون بما كانوا يكسبون لقصد تأكيد معنى الإثم . يقال : قرف واقترف وقارف . وصيغة الافتعال وصيغة المفاعلة فيه للمبالغة ، وهذه المادة تؤذن بأمر ذميم . وحكوا أنه يقال : قرف فلان لعياله ، أي كسب ، ولا أحسبه صحيحا .

وجيء في صلة الموصول بالجملة الاسمية في قوله : ﴿ ما هم مقترفون ﴾ للدلالة على تمكنهم في ذلك الاقتراف وثباتهم فيه .

$ 2 ( 114 ) { أفغير الله أبتغى حكما وهو الذى &

1764 أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين ءاتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين } . ) 2 $

استئناف بخطاب من الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بتقدير الأمر بالقول بقرينة السياق كما في قوله تعالى : ﴿ لا نفرق بين أحد من رسله ﴾ ( البقرة : 285 ) أي يقولون . وقوله المتقدم آنفا ﴿ قد جاءكم بصائر من ربكم ﴾ ( الأنعام : 104 ) بعد أن أخبره عن تصاريف عناد المشركين ، وتكذيبهم . وتعنتهم في طلب الآيات الخوارق ، إذ جعلوها حكما بينهم وبين الرسول عليه الصلاة والسلام في صدق دعوته ، وبعد أن فضحهم الله بعداوتهم لرسوله عليه الصلاة والسلام ، وافترائهم عليه ، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم وتركهم وما يفترون ، وأعلمه بأنه ما كلفه أن يكون وكيلا لإيمانهم ، وبأنهم سيرجعون إلى ربهم فينبئهم بما كانوا يعملون ، بعد ذلك كله لقن الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخاطبهم خطابا كالجواب عن أقوالهم وتوركاتهم ، فيفرع عليها أنه لا يطلب حاكما بينه وبينهم غير الله تعالى ، الذي إليه مرجعهم ،

الاعتراض حصل بتقديم جملتها بين شيئين متصلين مبادرة من المتكلم بإفادته لأهميته ، وأصل ترتيب الكلام هنا : كتاب أنزل إليك لتنذر به وذكرى للمؤمنين فلا يكن في صدرك حرج منه ، وقد ذكر في ( مغني اللبيب ) دخول الفاء في الجملة المعترضة ولم يذكر ذلك في معاني الفاء فتوهم متوهمون أن الفاء لا تقع في الجملة المعترضة .

والمعنى أن الله أنزله إليك لا ليكون في صدرك حرج ، بل لينشرح صدرك به . ولذلك جاء في نفي الحرج بصيغة نهي الحرج عن أن يحصل في صدر النبيء صلى الله عليه وسلم ليكون النهي نهي تكوين ، بمعنى تكوين النفي ، عكس أمر التكوين الذي هو بمعنى تكوين الإثبات . مثل تكوين نفي الحرج عن صدره بحالة نهي العاقل المدرك للخطاب ، عن الحصول في المكان . وجعل صاحب ( الكشاف ) النهي متوجها في الحقيقة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أي نهيه عن المبالاة بالمكذبين بالقرآن ، والغم من صنيعهم ، وجعل النهي في ظاهر اللفظ متوجها إلى الحرج للمبالغة في التكليف ، باقتلاعه من أصله على طريقة قول العرب : ( لا أرينك ههنا ) أي لا تحضر فأراك ، وقولهم : ( لا أعرفنك تفعل كذا ) أي لا تفعله فأعرفك به ، نهيا بطريق الكناية ، وأيا ما كان فالتفريع مناسب لمعاني التنكير المفروض في قوله : ﴿ كتاب ﴾ ، أي فلا يكن في صدرك حرج منه من جهة ما جره نزوله إليك من تكذيب قومك وإنكارهم نزوله ، فلا يكن في صدرك حرج منه من عظم أمره وجلالته ، ولا يكن في صدرك حرج منه فإنه سبب شرح صدرك بمعانيه وبلاغته .

و ( من ) ابتدائية ، أي حرج ينشأ ويسري من جراء المذكور ، أي من تكذيب المكذبين به ، فلما كان التكذيب به من جملة شؤونه ، وهو سبب الحرج ، صح أن يجعل الحرج مسببا عن الكتاب بواسطة . والمعنى على تقدير مضاف أي حرج من إنكاره أي إنكار إنزاله من الله .

والحرج حقيقته المكان الضيق من الغابات الكثيرة الأشجار ، بحيث

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ١٣