تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلذلك خوطب الرسول صلى الله عليه وسلم ببيان المحرمات في شريعة الإسلام بعد أن خوطب ببيان ما ليس بمحرم مما حرمه المشركون في قوله : ﴿ قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين ﴾ ( الأنعام : 144 ) الآيات .

وافتتح الكلام المأمور بأن يقوله بقوله : ﴿ لا أجد ﴾ إدماجا للرد على المشركين في خلال بيان ما حرم على المسلمين ، وهذا الرد جار على طريقة كناية الإيماء بأن لم ينف تحريم ما ادعوا تحريمه صريحا ، ولكنه يقول لا أجده فيما أوحي إلي ويستفاد من ذلك أنه ليس تحريمه من الله في شرعه ، لأنه لا طريق إلى تحريم شيء مما يتناوله الناس إلا بإعلام من الله تعالى ، لأن الله هو الذي يحل ما شاء ويحرم ما شاء على وفق علمه وحكمته ، وذلك الإعلام لا يكون إلا بطريق الوحي أو ما يستنبط منه ، فإذا كان حكم غير موجود في الوحي ولا في فروعه فهو حكم غير حق ، فاستفيد بطلان تحريم ما زعموه بطريقة الإيماء ، وهي طريقة استدلالية لأن فيها نفي الشيء بنفي ملزومه .

و ﴿ أجد ﴾ بمعنى : أظفر ، وهو الذي مصدره الوجد والوجدان ، وهو هنا مجاز في حصول الشيء وبلوغه ، يقال : وجدت فلانا ناصرا ، أي حصلت عليه ، فشبه التحصيل للشيء بالظفر وإلفاء المطلوب ، وهو متعد إلى مفعول واحد .

والمراد ، ب ﴿ ما أوحي ﴾ ما أعلمه الله رسوله صلى الله عليه وسلم بوحي غير القرآن لأن القرآن النازل قبل هذه الآية ليس فيه تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وإنما نزل القرآن بتحريم ما ذكر في هذه الآية ثم في سورة المائدة .

والطاعم : الآكل ، يقال : طعم كعلم ، إذا أكل الطعام ، ولا يقال ذلك للشارب ، وأما طعم بمعنى ذاق فيستعمل في ذوق المطعومات والمشروبات ، وأكثر استعماله في النفي ، وتقدم بيانه عند قوله تعالى :

يذكر مع المفعول حاله ، فقوله : ﴿ وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ﴾ معناه ألفيناه حال كونه حقا لا تخلف في شيء منه ، فلا يدل قوله : ﴿ وجدنا ﴾ على سبق بحث أو تطلب للمطابقة كما قد يتوهم ، وقد يستعمل الوجدان في الإدراك والظن مجازا ، وهو مجاز شائع .

و ( ما ) موصولة في قوله : ﴿ ما وعدنا ربنا ﴾ و ﴿ ما وعد ربكم ﴾ ودلت على أن الصلة معلومة عند المخاطبين ، على تفاوت في الإجمال والتفصيل ، فقد كانوا يعلمون أن الرسول عليه الصلاة والسلام وعد المؤمنين بنعيم عظيم ، وتوعد الكافرين بعذاب أليم ، سمع بعضهم تفاصيل ذلك كلها أو بعضها ، وسمع بعضهم إجمالها : مباشرة أو بالتناقل عن إخوانهم ، فكان للموصولية في قوله : ﴿ أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ﴾ إيجاز بديع ، والجواب بنعم تحقيق للمسؤول عنه بهل : لأن السؤال بهل يتضمن ترجيح السائل وقوع المسؤول عنه ، فهو جواب المقر المتحسر المعترف ، وقد جاء الجواب صالحا لظاهر السؤال وخفيه ، فالمقصود من الجواب بها تحقيق ما أريد بالسؤال من المعاني حقيقة أو مجازا ، إذ ليست نعم خاصة بتحقيق المعاني الحقيقية .

وحذف مفعول ( وعد ) الثاني في قوله : ﴿ ما وعد ربكم ﴾ لمجرد الإيجاز لدلالة مقابله عليه في قوله : ﴿ ما وعدنا ربنا ﴾ لأن المقصود من السؤال سؤالهم عما يخصهم . فالتقدير : فهل وجدتم ما وعدكم ربكم ، أي من العذاب لأن الوعد يستعمل في الخير والشر .

ودلت الفاء في قوله : ﴿ فأذن مؤذن ﴾ على أن التأذين مسبب على المحاورة تحقيقا لمقصد أهل الجنة من سؤال أهل النار من إظهار غلطهم وفساد معتقدهم .

والتأذين : رفع الصوت بالكلام رفعا يسمع البعيد بقدر الإمكان وهو مشتق من الأذن بضم الهمزة جارحة السمع المعروفة ، وهذا التأذين إخبار باللعن وهو الإبعاد عن الخير ، أي إعلام بأن أهل النار مبعدون عن

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ١٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ١٣٧