بالازدياد والتملي من تلك الأحوال ، حتى تصير فيهم ملكة وسجية ، فيتعذر إقلاعهم عنها ، فعلى هذا تكون ﴿ إن ﴾ مفيدة معنى التعليل .
ويجوز أن تكون الجملة تهديدا ووعيدا لهم ، إن لم يقلعوا عما هم فيه ، بأن الله يحرمهم التوفيق ويذرهم في غيهم وعمههم ، فالله هدى كثيرا من المشركين هم الذين لم يكونوا بهذه المثابة في الشرك ، أي لم يكونوا قادة ولا متصلبين في شركهم ، والذين كانوا بهذه المثابة هم الذين حرمهم الله الهدى ، مثل صناديد قريش أصحاب القليب يوم بدر ، فأما الذين اتبعوا الإسلام بالقتال مثل معظم أهل مكة يوم الفتح ، وكذلك هوازن ومن بعدها ، فهؤلاء أسلموا مذعنين ثم علموا أن آلهتهم لم تغن عنهم شيئا فحصل لهم الهدى بعد ذلك ، وكانوا من خيرة المسلمين ونصروا الله حق نصره . فالمراد من نفي الهدى عنهم : إما نفيه عن فريق من المشركين ، وهم الذين ماتوا على الشرك ، وإما نفي الهدى المحض الدال على صفاء النفس ونور القلب ، دون الهدى الحاصل بعد الدخول في الإسلام ، فذلك هدى في الدرجة الثانية كما قال تعالى : ﴿ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى ﴾ ( الحديد : 10 ) .
| 2 ( 145 ) ﴿ قل لا أجد فى مآ أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم ﴾ . ) 2
استئناف بياني نشأ عن إبطال تحريم ما حرمه المشركون ، إذ يتوجه سؤال سائل من المسلمين عن المحرمات الثابتة ، إذ أبطلت المحرمات الباطلة ،
الجنة دون ضميرهم توطئة لذكر نداء أصحاب الأعراف ونداء أصحاب النار ، ليعبر عن كل فريق بعنوانه وليكون منه محسن الطباق في مقابلته بقوله : ﴿ أصحاب النار ﴾ .
وهذا النداء خطاب من أصحاب الجنة ، عبر عنه بالنداء كناية عن بلوغه إلى أسماع أصحاب النار من مسافة سحيقة البعد ، فإن سعة الجنة وسعة النار تقتضيان ذلك لا سيما قوله : ﴿ وبينهما حجاب ﴾ ( الأعراف : 46 ) ، ووسيلة بلوغ هذا الخطاب من الجنة إلى أصحاب النار وسيلة عجيبة غير متعارفة . وعلم الله وقدرته لا حد لمتعلقاتهما .
و ( أن ) في قوله : ﴿ أن قد وجدنا تفسيرية للنداء . والخبر الذي هو قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ﴾ مستعمل في لازم معناه وهو الاغتباط بحالهم ، وتنغيص أعدائهم بعلمهم برفاهية حالهم ، والتورك على الأعداء إذ كانوا يحسبونهم قد ضلوا حين فارقوا دين آبائهم ، وأنهم حرموا أنفسهم طيبات الدنيا بالانكفاف عن المعاصي ، وهذه معانن متعددة كلها من لوازم الإخبار ، والمعاني الكنائية لا يمتنع تعددها لأنها تبع للوازمم العقلية ، وهذه الكناية جمع فيها بين المعنى الصريح والمعاني الكنائية ، ولكن المعاني الكنائية هي المقصودة إذ ليس القصد أن يعلم أهل النار بما حصل لأهل الجنة ولكن القصد ما يلزم عن ذلك . وأما المعاني الصريحة فمدلولة بالأصالة عند عدم القرينة المانعة .
والاستفهام في جملة : ﴿ فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ﴾ مستعمل مجازا مرسلا بعلاقة اللزوم في توقيف المخاطبين على غلطهم ، واثارة ندامتهم وغمهم على ما فرط منهم ، والشماتة بهم في عواقب عنادهم . والمعاني المجازية التي علاقتها اللزوم يجوز تعددها مثل الكناية ، وقرينة المجاز هي : ظهور أن أصحاب الجنة يعلمون أن أصحاب النار وجدوا وعده حقا .
والوجدان : إلفاء الشيء ولقيه ، قال تعالى : ﴿ فوجد فيها رجلين يقتتلان ﴾ ( القصص : 15 ) وفعله يتعدى إلى مفعول واحد ، قال تعالى : ﴿ ووجد الله عنده ﴾ ( النور : 39 ) ويغلب أن