تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

$ 2 ( 140 ) { قد خسر الذين قتلو &

1764 ا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افترآء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين } . ) 2 $

تذييل جعل فذلكة للكلام السابق ، المشتمل على بيان ضلالهم في قتل أولادهم ، وتحجير بعض الحلال على بعض من أحل له .

وتحقيق الفعل ب ﴿ قد ﴾ للتنبيه على أن خسرانهم أمر ثابت ، فيفيد التحقيق التعجيب منهم كيف عموا عما هم فيه من خسرانهم . وعن سعيد بن جبير قال ابن عباس : إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة من سورة الأنعام : ﴿ قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفاها بغير علم إلى وما كانوا مهتدين . أي من قوله تعالى : وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ﴾ ( الأنعام : 136 ) وجعلها فوق والثلاثين ومائة تقريبا ، وهي في العد السادسة والثلاثون ومائة .

ووصف فعلهم بالخسران لأن حقيقة الخسران نقصان مال التاجر ، والتاجر قاصد الربح وهو الزيادة ، فإذا خسر فقد باء بعكس ما عمل لأجله ( ولذلك كثر في القرآن استعارة الخسران لعمل الذين يعملون طلبا لمرضاة الله وثوابه فيقعون في غضبه وعقابه ، لأنهم اتعبوا أنفسهم فحصلوا عكس ما تعبوا لأجله ) ذلك أن هؤلاء الذين قتلوا أولادهم قد طلبوا نفع أنفسهم بالتخلص من أضرار في الدنيا محتملل لحاقها بهم من جراء بناتهم ، فوقعوا في أضرار محققة في الدنيا وفي الآخرة ، فإن النسل نعمة من الله على الوالدين يأنسون به ويجدونه لكفاية مهماتهم ، ونعمة على القبيلة تكثر وتعتز ، وعلى العالم كله بكثرة من يعمره وبما ينتفع به الناس من مواهب النسل وصنائعه ، ونعمة على النسل نفسه بما يناله من نعيم الحياة وملذاتها . ولتلك الفوائد اقتضت حكمة الله إيجاد نظام

والمراد بهذا الفريق : هم المشركون من العرب ، فإنهم كذبوا بآيات الله التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم وافتروا على الله الكذب فيما زعموا أن الله أمرهم به من الفواحش ، كما تقدم آنفا عند قوله تعالى : ﴿ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ﴾ ( الأعراف : 28 ) .

و ( أو ) ظاهرها التقسيم فيكون الأظلم وهم المشركون فريقين : فريق افتروا على الله الكذب ، وهم سادة أهل الشرك وكبراؤهم ، الذين شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ، ونسبوه إلى الله وهم يعلمون ، مثل عمرو بن لحي ، وأبي كبشة ، ومن جاء بعدهما ، وأكثر هذا الفريق قد انقرضوا في وقت نزول الآية ، وفريق كذبوا بآياتت ولم يفتروا على الله وهم عامة المشركين ، من أهل مكة وما حولها ، وعلى هذا فكل واحد من الفريقين لا أظلم منه ، لأن الفريق الآخر مساو له في الظلم وليس أظلم منه ، فأما من جمع بين الأمرين ممن لعلهم أن يكونوا قد شرعوا للمشركين أمورا من الضلالات ، وكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم فهم أشد ظلما ، ولكنهم لما كانوا لا يخلون عن الانتساب إلى كلا الفريقين وجامعين للخصلتين لم يخرجوا من كونهم من الفريق الذين هم أظلم الناس ، وهذا كقوله : ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثلما أنزل الله ﴾ ( الأنعام : 93 ) ، فلا شك أن الجامع بين الخصال الثلاث هو أظلم من كل من انفرد بخصلة منها ، وذلك يوجب له زيادة في الأظلمية ، لأن كل شدة وصف قابلة للزيادة .

ولك أن تجعل ( أو ) بمعنى الواو ، فيكون الموصوف بأنه أظلم الناس هو من اتصف بالأمرين الكذب والتكذيب ، ويكون صادقا على المشركين لأن جماعتهم لا تخلو عن ذلك .

شيء باسم الإشارة في قوله : ﴿ أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ﴾ ليدل على أن المشار إليهم أحرياء بأن يصيبهم العذاب بناء على ما دل عليه التفريع بالفاء .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ١١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ١١٣