لتجرد لفظه عن علامة تأنيث ، وقد يراعى المقصود منه فيجري الإخبار على اعتباره ، وقد اجتمعا في قوله تعالى : ﴿ ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك ﴾ ( محمد : 16 ) . وقرأ ابن عامر بالفوقية على اتباع تأنيث ﴿ خالصة ﴾ ، أي إن تكن الأجنة ، وقرأ ﴿ ميتة ﴾ بالنصب ، وقرأه أبو بكر عن عاصم بالتأنيث والنصب .
وجملة : ﴿ سيجزيهم وصفهم ﴾ مستأنفة استئنافا بيانيا ، كما قلت في جملة : ﴿ سيجزيهم بما كانوا يفترون ﴾ ( الأنعام : 138 ) آنفا .
والوصف : ذكر حالات الشيء الموصوف وما يتيمز به لمن يريد تمييزه في غرض ما ، وتقدم في قوله : ﴿ سبحانه وتعالى عما يصفون في هذه السورة ( 100 ) . والوصف ، هنا : هو ما وصفوا به الأجنة من حل وحرمة لفريق دون فريق ، فذلك وصف في بيان الحرام والحلال منه كقوله تعالى : ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام ﴾ ( النحل : 116 ) .
وجزاؤهم عنه هو جزاء سوء بقرينة المقام ، لأنه سمى مزاعمهم السابقة افتراء على الله . وجعل الجزاء متعديا للوصف بنفسه على تقدير مضاف ، أي : سيجزيهم جزاء وصفهم . ضمن ﴿ يجزيهم ﴾ معنى يعطيهم ، أي جزاء وفاقا له .
وجملة : ﴿ إنه حكيم عليم ﴾ تعليل لكون الجزاء موافقا لجرم وصفهم . وتؤذن ( إن ) بالربط والتعليل ، وتغني غناء الفاء ، فالحكيم يضع الأشياء مواضعها ، والعليم يطلع على أفعال المجزيين ، فلا يضيع منها ما يستحق الجزاء .
برسالة محمد عليه الصلاة والسلام فإن الله ذكر أولياء الشياطين وبعض صفاتهم بقوله : ﴿ إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون ﴾ ( الأعراف : 27 ) وذكر أن الله عهد لبني آدم منذ القدم بأن يتبعوا من يجيئهم من الرسل عن الله تعالى بآياته ليتقوا ويصلحوا ، ووعدهم على اتباع ما جاءهم بيني الخوف والحزن وأوعدهم على التكذيب والاستكبار بأن يكونوا أصحاب النار ، فقد أعذر إليهم وبصرهم بالعواقب ، فتفرع على ذلك : أن من كذب على الله فزعم أن الله أمره بالفواحش ، أو كذب بآيات الله التي جاء بها رسوله ، فقد ظلم نفسه ظلما عظيما حتى يسأل عمن هو أظلم منه .
ولك أن تجعل جملة : ﴿ فمن أظلم ممن افترى ﴾ ( الأنعام : 144 ) إلخ معترضة بين جملة : ﴿ أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ ( الأعراف : 36 ) وجملة : ﴿ أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ﴾ كما سيأتي في موقع هذه الأخيرة ، وقد تقدم الكلام على تركيب : ﴿ من أظلم ممن ﴾ عند قوله تعالى : { ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه في سورة البقرة ( 114 ) ، وأن الاستفهام للإنكار ، أي لا أحد أظلم .
والافتراء والكذب تقدم القول فيهما عند قوله تعالى : ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب في سورة العقود ( 103 ) . ولهذه الآية اتصال بآية : وكم من قرية أهلكناها } ( الأعراف : 4 ) من حيث ما فيها من التهديد بوعيد عذاب الآخرة وتفظيع أهواله .
و ( من ) استفهام إنكاري مستعمل في تهويل ظلم هذا الفريق ، المعبر عنه بمن افترى على الله كذبا . و ( من ) الثانية موصولة ، وهي عامة لكل من تتحقق فيه الصلة ، وإنما كانوا أظلم الناس ولم يكن أظلم منهم ، لأن الظلم اعتداء على حق ، وأعظم الحقوق هي حقوق الله تعالى ، وأعظم الاعتداء على حق الله الاعتداء عليه بالاستخفاف بصاحبه العظيم ، وذلك بأن يكذب بما جاءه من قبله ، أو بأن يكذب عليه قيبلغ عنه ما لم يأمر به فإن جمع بين الأمرين فقد عطل مراد الله تعالى من جهتين : جهة إبطال ما يدل على مراده ، وجهة إيهام الناس بأن الله أراد منهم ما لا يريده الله .