وقوله : ﴿ حين ينزل القرآن ﴾ ظرف يجوز تعلقه بفعل الشرط وهو ﴿ تسألوا ﴾ ، ويجوز تعلقه بفعل الجواب وهو ﴿ تبد لكم ﴾ ، وهو أظهر إذ الظاهر أن حين نزول القرآن لم يجعل وقتا لإلقاء الأسئلة بل جعل وقتا للجواب عن الأسئلة . وتقديمه على عامله للاهتمام ، والمعنى أنهم لا ينتظرون الجواب عما يسألون عنه إلا بعد نزول القرآن ، لقوله تعالى : ﴿ قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب إلى قوله إن أتبع إلا ما يوحى إلي ﴾ ( الأنعام : 50 ) فنبههم الله بهذا على أن النبي يتلقى الوحي من علام الغيوب . فمن سأل عن شيء فلينتظر الجواب بعد نزول القرآن ، ومن سأل عند نزول القرآن حصل جوابه عقب سؤاله . ووقت نزول القرآن يعرفه من يحضر منهم مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فإن له حالة خاصة تعتري الرسول صلى الله عليه وسلم يعرفها الناس ، كما ورد في حديث يعلى بن أمية في حكم العمرة . ومما يدل لهذا ما وقع في حديث أنس من رواية ابن شهاب في ( صحيح مسلم ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى لهم صلاة الظهر فلما سلم قام على المنبر فذكر الساعة وذكر أن قبلها أمورا عظاما ثم قال : من أحب أن يسألني عن شيء فليسألني عنه فوالله لا تسألونني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا . ثم قال : ( لقد عرضت علي الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط فلم أر كاليوم في الخير والشر ) الحديث ، فدل ذلك على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ذلك الحين في حال نزول وحي عليه . وقد جاء في رواية موسى بن أنس عن أبيه أنس أنه أنزل عليه حينئذ قوله تعالى : ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء ﴾ الآية . فتلك لا محالة ساعة نزول القرآن واتصال الرسول عليه الصلاة والسلام بعالم الوحي .
وقوله : ﴿ عفا الله عنها ﴾ يحتمل أنه تقرير لمضمون قوله : ﴿ وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ﴾ ، أي أن الله نهاكم عن المسألة وعفا عنكم أن تسألوا حين ينزل القرآن . وهذا أظهر لعوذ الضمير إلى أقرب مذكور باعتبار تقييده ﴿ حين ينزل القرآن ﴾ . ويحتمل أن يكون إخبارا عن عفوه عما سلف من إكثار المسائل وإحفاء الرسول صلى الله عليه وسلم فيها لأن ذلك لا يناسب ما يجب من توقيره .