والإعجاب يأتي الكلام عليه عند قوله تعالى : { فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في سورة براءة ( 55 ) .
وفي تفسير ابن عرفة } قال : ( وكنت بحثت مع ابن عبد السلام وقلت له : هذه تدل على الترجيح بالكثرة في الشهادة لأنهم اختلفوا إذا شهد عدلان بأمر وشهد عشرة عدول بضده ، فالمشهور أن لا فرق بين العشرة والعدلين ، وهما متكاملان . وفي المذهب قول آخر بالترجيح بالكثرة . فقوله : ﴿ ولو أعجبك كثرة الخبيث ﴾ يدل على أن الكثرة لها اعتبار بحيث إنها ما أسقطت هنا إلا للخبث ، ولم يوافقني عليه ابن عبد السلام بوجه . ثم وجدت ابن المنير ذكره بعينه ) اه .
والواو في قوله ﴿ ولو أعجبك ﴾ واو الحال ، و ﴿ لو ﴾ اتصالية ، وقد تقدم بيان معناهما عند قوله تعالى : { فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به في سورة آل عمران ( 91 ) .
وتفريع قوله : فاتقوا الله يا أولى الألباب } على ذلك مؤذن بأن الله يريد منا إعمال النظر في تمييز الخبيث من الطيب ، والبحث عن الحقائق ، وعدم الاغترار بالمظاهر الخلابة الكاذبة ، فإن الأمر بالتقوى يستلزم الأمر بالنظر في تمييز الأفعال حتى يعرف ما هو تقوى دون غيره .
ونظير هذا الاستدلال استدلالل العلماء على وجوب الاجتهاد بقوله تعالى : ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ ( التغابن : 16 ) ، لأن مما يدخل تحت الاستطاعة الاجتهاد بالنسبة للمتأهل إليه الثابت له اكتساب أداته . ولذلك قال هنا : ﴿ يأولي الألباب ﴾ فخاطب الناس بصفة ليؤمىء إلى أن خلق العقول فيهم يمكنهم من التمييز بين الخبيث والطيب لاتباع الطيب ونبذ الخبيث . ومن أهم ما يظهر فيه امتثال هذا الأمر النظر في دلائل صدق دعوى الرسول وأن لا يحتاج في ذلك إلى تطلب الآيات والخوارق كحال الذين حكى الله عنهم ﴿ وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ﴾ ( الإسراء : 90 ) الآية ، وأن يميز بين حال الرسول وحال السحرة والكهان وإن كان عددهم كثيرا .
وقوله : ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ تقريب لحصول الفلاح بهم إذا اتقوا هذه التقوى التي منها تمييز الخبيث من الطيب وعدم الاغترار بكثرة الخبيث وقلة الطيب في هذا .