تقدم بيان معنى هذا العطف في نظيره في قوله تعالى : ﴿ وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين من هذه السورة ( 55 ) . ولكن ما هنا يخالف ما تقدم مخالفة ما فإن قول المشركين للرسول عليه الصلاة والسلام درست ﴾ لا يناسب أن يكون علة لتصريف الآيات ، فتعين أن تكون اللام مستعارة لمعنى العاقبة والصيرورة كالتي في قوله تعالى : ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ﴾ ( القصص : 8 ) . المعنى . فكان لهم عدوا . وكذلك هنا ، أي نصرف الآيات مثل هذا التصريف الساطع فيحسبونك اقتبسته بالدراسة والتعليم فيقولوا : درست . والمعنى : أنا نصرف الآيات ونبينها تبيينا من شأنه أن يصدر من العالم الذي درس العلم فيقول المشركون درست هذا وتلقيته من العلماء والكتب ، لإعراضهم عن النظر الصحيح الموصل إلى أن صدور مثل هذا التبيين من رجل يعلمونه أميا لا يكون إلا من قبل وحي من الله إليه ، وهذا كقوله : ﴿ ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر ﴾ ( النحل : 103 ) وهم قد قالوا ذلك من قبل ويقولونه ويزيدون بمقدار زيادة تصريف الآيات ، فشبه ترتب قولهم على التصريف بترتب العلة الغائية ، واستعير لهذا المعنى الحرف الموضوع للعلة على وجه الاستعارة التبعية ، ولذلك سمى بعض النحويين مثل هذه اللام لام الصيرورة ، وليس مرادهم أن الصيرورة معنى من معاني اللام ولكنه إفصاح عن حاصل المعنى .
والدراسة : القراءة بتمهل للحفظ أو للفهم ، وتقدم عند قوله تعالى : ﴿ وبما كنتم تدرسون في سورة آل عمران ( 79 ) . وفعله من باب نصر . يقال : درس الكتاب ، أي تعلم . وقد تقدم في قوله تعالى : بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ﴾ ( آل عمران : 79 ) ، وقال ﴿ ودرسوا ما فيه ﴾ ( الأعراف : 169 ) . وسمي بيت تعلم اليهود المدراس ، وسمي البيت الذي يسكنه التلامذة ويتعلمون فيه المدرسة . والمعنى يقولون : تعلمت ، طعنا في أمية الرسول عليه الصلاة والسلام لئلا يلزمهم أن ما جاء به من العلم وحي من الله تعالى .
وقرأ الجمهور ﴿ درست ﴾ بدون ألف وبفتح التاء . وقرأه ابن كثير ، وأبو عمرو ( دارست ) على صيغة المفاعلة وبفتح التاء أي يقولون : قرأت وقرىء