تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لعظمته تعالى ، فإن عدم إحاطة الأبصار بالشيء يكون من عظمته فلا تطيقه الأبصار ، فعموم النكرة في سياق النفي يدل على انتفاء أن يدركه شيء من أبصار المبصرين في الدنيا كما هو السياق .

ولا دلالة في هذه الآية على انتفاء أن يكون الله يرى في الآخرة ، كما تمسك به نفاة الرؤية ، وهم المعتزلة لأن للأمور الآخرة أحوالا لا تجري على متعارفنا ، وأحرى أن لا دلالة فيها على جواز رؤيته تعالى في الآخرة . ومن حاول ذلك فقد تكلف ما لا يتم كما صنع الفخر في ( تفسيره ) .

والخلاف في رؤية الله في الآخرة شائع بين طوائف المتكلمين ؛ فأثبته جمهور أهل السنة لكثرة ظواهر الأدلة من الكتاب والسنة مع اتفاقهم على أنها رؤية تخالف الرؤية المتعارفة . وعن مالك رحمه الله ( لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعير الكفار بالحجاب في قوله تعالى : ﴿ كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ﴾ ( المطففين : 15 ) . وعنه أيضا ( لم ير الله في الدنيا لأنه باق ولا يرى الباقي بالفاني ، فإذا كان في الآخرة ورزقوا أبصارا باقية رأوا الباقي بالباقي ) . وأما المعتزلة فقد أحالوا رؤية الله في الآخرة لاستلزامها الانحياز في الجهة . وقد اتفقنا جميعا على التنزيه عن المقابلة والجهة ، كما اتفقنا على جواز الانكشاف العلمي التام للمؤمنين في الآخرة لحقيقة الحق تعالى ، وعلى امتناع ارتسام صورة المرئي في العين أو اتصال الشعاع الخارج من العين بالمرئي تعالى لأن أحوال الأبصار في الآخرة غير الأحوال المتعارفة في الدنيا . وقد تكلم أصحابنا بأدلة الجواز وبأدلة الوقوع ، وهذا مما يجب الإيمان به مجملا على التحقيق . وأدلة المعتزلة وأجوبتنا عليها مذكورة في كتب الكلام وليست من غرض التفسير ومرجعها جميعا إلى إعمال الظاهر أو تأويله .

ثم اختلف أيمتنا هل حصلت رؤية الله تعالى للنبيء صلى الله عليه وسلم فنفى ذلك جمع من الصحابة منهم عائشة وابن مسعود وأبو هريرة

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٧ · الصفحة ٤١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٧ · ص ٤١٥