الميت من الحى ذالكم الله فأنى تؤفكون * فالق الإصباح وجعل اليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذالك تقدير العزيز العليم } . ) 2
استئناف ابتدائي انتقل به من تقرير التوحيد والبعث والرسالة وأفانين المواعظ والبراهين التي تخللت ذلك إلى الاستدلال والاعتبار بخلق الله تعالى وعجائب مصنوعاته المشاهدة ، على انفراده تعالى بالإلهية المستلزم لانتفاء الإلهية عما لا تقدر على مثل هذا الصنع العجيب ، فلا يحق لها أن تعبد ولا أن تشرك مع الله تعالى في العبادة إذ لا حق لها في الإلهية ، فيكون ذلك إبطالا لشرك المشركين من العرب ، وهو مع ذلك إبطال لمعتقد المعطلين من الدهريين منهم بطريق الأولى ، وفي ذلك امتنان على المقصودين من الخطاب وهم المشركون بقرينة قوله : ﴿ فأنى تؤفكون ﴾ ، أي فتكفرون النعمة . وفيه علم ويقين للمؤمنين من المصدقين واستزادة لمعرفتهم بربهم وشكرهم .
وافتتاح الجملة ب ﴿ إن ﴾ مع أنه لا ينكر أحد أن الله هو فاعل الأفعال المذكورة هنا ، ولكن النظر والاعتبار في دلالة الزرع على قدرة الخالق على الإحياء بعد الموت كما قدر على إماتة الحي ، لما كان نظرا دقيقا قد انصرف عنه المشركون فاجترأوا على إنكار البعث ، كان حالهم كحال من أنكر أو شك في أن الله فالق الحب والنوى ، فأكد الخبر بحرف ( إن ) .
وجيء بالجملة الاسمية للدلالة على ثبات هذا الوصف دوامه لأنه وصف ذاتي لله تعالى ، وهو وصف الفعل أو وصف القدرة وتعلقاتها في مصطلح من لا يثبت صفات الأفعال ، ولما كان المقصود الاكتفاء بدلالة فلق الحب والنوى على قدرة الله على إخراج الحي من الميت ، والانتقال من ذلك إلى دلالته على إخراج الحي من الميت في البعث ، لم يؤت في هذا الخبر بما يقتضي الحصر إذ ليس المقام مقام القصر .