تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الزمان المتأخر عن شيء كقوله : ﴿ ومن بعد صلاة العشاء ﴾ ( النور : 58 ) و ( إذا ) يدل على زمان معرف بشيء ، ف ( إذا ) اسم زمن متصرف مراد به الزمان وليس مفعولا فيه . والمعنى بعد الزمن الذي هدانا الله فيه ، ونظيره { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا في سورة آل عمران ( 8 ) .

ارتقى في تمثيل حالهم لو فرض رجوعهم على أعقابهم بتمثيل آخر أدق ، بقوله : ﴿ كالذي استهوته الشياطين في الأرض ﴾ ، وهو تمثيل بهيئة متخيلة مبنية على اعتقاد المخاطبين في أحوال الممسوسين . فالكاف في موضع الحال من الضمير في ﴿ نرد على أعقابنا ﴾ ، أي حال كوننا مشبهين للذي استهوته الشياطين فهذه الحال مؤكدة لما في ﴿ نرد على أعقابنا ﴾ من معنى التمثيل بالمرتد على أعقابه .

والاستهواء استفعال ، أي طلب هوى المرء ومحبته ، أي استجلاب هوى المرء إلى شيء يحاوله المستجلب . وقربه أبو علي الفارسي بمعنى همزة التعدية . فقال : استهواه بمعنى أهواه مثل استزل بمعنى أزل . ووقع في ( الكشاف ) أنه استفعال من هوى في الأرض إذا ذهب فيها ، ولا يعرف هذا المعنى من كلام أئمة اللغة ولم يذكره هو في ( الأساس ) مع كونه ذكر ﴿ كالذي استهوته الشياطين ﴾ ولم ينبه على هذا من جاء بعده .

والعرب يقولون : استهوته الشياطين ، إذا اختطفت الجن عقله فسيرته كما تريد . وذلك قريب من قولهم : سحرته ، وهم يعتقدون أن الغيلان هي سحرة الجن ، وتسمى السعالي أيضا ، واحدتها سعلاة ، ويقولون أيضا : استهامته الجن إذا طلبت هيامه بطاعتها .

وقوله : ﴿ في الأرض ﴾ متعلق ب ﴿ استهوته ﴾ ، لأنه يتضمن معنى ذهبت به وضل في الأرض . وذلك لأن الحالة التي تتوهمها العرب استهواء الجن يصاحبها التوحش وذهاب المجنون على وجهه في الأرض راكبا رأسه لا ينتصح لأحد ، كما وقع لكثير من

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٧ · الصفحة ٣٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٧ · ص ٣٠١