مشيرة إلى ذلك وغيره وإلا فإن سورة الأنعام نزلت جملة واحدة . وحاول المشركون صرف النبي صلى الله عليه وسلم عن الدعوة إلى الإسلام وهم يرضونه بما أحب كما ورد في خبر أبي طالب .
والاستفهام إنكار وتأييس ، وجيء بنون المتكلم ومعه غيره لأن الكلام من الرسول صلى الله عليه وسلم عن نفسه وعن المسلمين كلهم . و ﴿ من دون الله ﴾ متعلق ب ﴿ ندعوا ﴾ . والمراد بما لا ينفع ولا يضر الأصنام ، فإنها حجارة مشاهد عدم نفعها وعجزها عن الضر ، ولو كانت تستطيع الضر لأضرت بالمسلمين لأنهم خلعوا عبادتها وسفهوا أتباعها وأعلنوا حقارتها ، فلما جعلوا عدم النفع ولا الضر علة لنفي عبادة الأصنام فقد كنوا بذلك عن عبادتهم النافع الضار وهو الله سبحانه .
وقوله : ﴿ ونرد على أعقابنا ﴾ عطف على ﴿ ندعوا ﴾ فهو داخل في حيز الإنكار . والرد : الإرجاع إلى المكان الذي يؤتى منه ، كقوله تعالى : ﴿ ردوها علي ﴾ ( ص : 33 ) .
والأعقاب جمع عقب وهي مؤخر القدم . وعقب كل شيء طرفه وآخره ويقال : رجع على عقبه وعلى عقبيه ونكص على عقبيه بمعنى رجع إلى المكان الذي جاء منه لأنه كان جاعلا إياه وراءه فرجع .
وحرف ( على ) فيه للاستعلاء ، أي رجع على طريق جهة عقبه ، كما يقال : رجع وراءه ، ثم استعمل تمثيلا شائعا في التلبس بحالة ذميمة كان فارقها صاحبها ثم عاد إليها وتلبس بها ، وذلك أن الخارج إلى سفر أو حاجة فإنما يمشي إلى غرض يريده فهو يمشي القدمية فإذا رجع قبل الوصول إلى غرضه فقد أضاع مشيه ؛ فيمثل حاله بحال من رجع على عقبيه . وفي الحديث : ( اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم ) . فكذلك في الآية هو تمثيل لحال المرتد إلى الشرك بعد أن أسلم بحال من خرج في مهم فرجع على عقبيه ولم يقض ما خرج له . وهذا أبلغ في تمثيل سوء الحالة من أن يقال : ونرجع إلى الكفر بعد الإيمان .
وقد أضيف ( بعد ) إلى ﴿ إذ هدانا ﴾ وكلاهما اسم زمان ، فإن ( بعد ) يدل على