تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

النهي . وليس المقصود بالذكر في هذه الآية ذكر الله باللسان لأنه ليس شيء منه بواجب عدا ما هو من أركان الصلاة فذلك مستغنى عنه بقوله : ﴿ وعن الصلاة ﴾ .

وقوله : ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ الفاء تفريع عن قوله : ﴿ إنما يريد الشيطان ﴾ الآية ، فإن ما ظهر من مفاسد الخمر والميسر كاف في انتهاء الناس عنهما فلم يبق حاجة لإعادة نهيهم عنهما ، ولكن يستغنى عن ذلك باستفهامهم عن مبلغ أثر هذا البيان في نفوسهم ترفيعا بهم إلى مقام الفطن الخبير ، ولو كان بعد هذا البيان كله نهاهم عن تعاطيها لكان قد أنزلهم منزلة الغبي ، ففي هذا الاستفهام من بديع لطف الخطاب ما بلغ به حد الإعجاز .

ولذلك اختير الاستفهام ب ﴿ هل ﴾ التي أصل معناها ( قد ) . وكثر وقوعها في حيز همزة الاستفهام ، فاستغنوا ب ﴿ هل ﴾ عن ذكر الهمزة ، فهي لاستفهامم مضمن تحقيق الإسناد المستفهم عنه وهو ﴿ أنتم منتهون ﴾ ، دون الهمزة إذ لم يقل : أتنتهون ، بخلاف مقام قوله ﴿ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون ﴾ ( الفرقان : 20 ) . وجعلت الجملة بعد ﴿ هل ﴾ اسمية لدلالتها على ثبات الخبر زيادة في تحقيق حصول المستفهم عنه ، فالاستفهام هنا مستعمل في حقيقته ، وأريد معها معناه الكنائي ، وهو التحذير من انتفاء وقوع المستفهم عنه . ولذلك روي أن عمر لما سمع الآية قال : ( انتهينا انتهينا ) . ومن المعلوم للسامعين من أهل البلاغة أن الاستفهام في مثل هذا المقام ليس مجردا عن الكناية . فما حكي عن عمرو بن معد يكرب من قوله ( إلا أن الله تعالى قال ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ فقلنا : لا ) إن صح عنه ذلك . ولي في صحته شك ، فهو خطأ في الفهم أو التأويل . وقد شذ نفر من السلف نقلت عنهم أخبار من الاستمرار على شرب الخمر ، لا يدرى مبلغها من الصحة . ومحملها ، إن صحت ، على أنهم كانوا يتأولون قوله تعالى ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ على أنه نهي غير جازم . ولم يطل ذلك بينهم .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٧ · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٧ · ص ٢٨