والمراد بقوله : يتوفاكم } ينيمكم بقرينة قوله : ﴿ ثم يبعثكم فيه ﴾ ، أي في النهار ، فأراد بالوفاة هنا النوم على التشبيه . وفائدته أنه تقريب لكيفية البعث يوم القيامة ، ولذا استعير البعث للإفاقة من النوم ليتم التقريب في قوله : ﴿ ثم يبعثكم فيه ﴾ .
ومعنى ﴿ جرحتم ﴾ كسبتم ، وأصل الجرح تمزيق جلد الحي بشيء محدد مثل السكين والسيف والظفر والناب . وتقدم في قوله : { والجروح قصاص في سورة العقود ( 45 ) . وأطلق على كلاب الصيد وبزاته ونحوها اسم الجوارح لأنها تجرح الصيد ليمسكه الصائد . قال تعالى : وما علمتم من الجوارح مكلبين وتقدم في سورة العقود ( 4 ) . كما سموها كواسب ، كقول لبيد :
غضفا كواسب ما يمن طعامها
فصار لفظ الجوارح مرادفا للكواسب ؛ وشاع ذلك فأطلق على الكسب اسم الجرح ، وهو المراد هنا . وقال تعالى : أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات } ( الجاثية : 21 ) .
وجملة : ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار ﴾ معترضة لقصد الامتنان بنعمة الإمهال ، أي ولولا فضله لما بعثكم في النهار مع علمه بأنكم تكتسبون في النهار عبادة غيره ويكتسب بعضكم بعض ما نهاهم عنه كالمؤمنين .
ووقع الاقتصار على الإخبار بعلمه تعالى ما يكسب الناس في النهار دون الليل رعيا للغالب ، لأن النهار هو وقت أكثر العمل والاكتساب ، ففي الإخبار أنه يعلم ما يقع فيه تحذير من اكتساب ما لا يرضى الله باكتسابه بالنسبة للمؤمنين ، وتهديد للمشركين .
وجملة : ﴿ ثم يبعثكم فيه ﴾ معطوفة على ﴿ يتوفاكم بالليل ﴾ فتكون ( ثم ) للمهلة الحقيقية ، وهو الأظهر . ولك أن تجعل ( ثم ) للترتيب الرتبي فتعطف على جملة ﴿ ويعلم ما جرحتم ﴾ ؛ أي وهو يعلم ما تكتسبون من المناهي ثم يردكم ويمهلكم . وهذا بفريق المشركين أنسب .
و ( في ) للظرفية . والضمير للنهار . والبعث مستعار للإفاقة من النوم لأن البعث شاع