سرائرهم فعلم أنهم لا يؤمنون ، وأراد الله أن يظهر استغناء دينه ورسوله عن الاعتزاز بأولئك الطغاة القساة ، وليظهر لهم أن أولئك الضعفاء خير منهم ، وأن الحرص على قربهم من الرسول صلى الله عليه وسلم أولى من الحرص على قرب المشركين ، وأن الدين يرغب الناس فيه وليس هو يرغب في الناس كما قال تعالى : ﴿ يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين ﴾ ( الحجرات : 17 ) .
ومعنى ﴿ يدعون ربهم ﴾ يعلنون إيمانهم به دون الأصنام إعلانا بالقول ، وهو يستلزم اعتقاد القائل بما يقوله ، إذ لم يكن يومئذ نفاق وإنما ظهر المنافقون بالمدينة .
والغداة : أول النهار . والعشي من الزوال إلى الصباح . والباء للظرفية . والتعريف فيهما تعريف الجنس . والمعنى أنهم يدعون الله اليوم كله . فالغداة والعشي قصد بهما استيعاب الزمان والأيام كما يقصد بالمشرق والمغرب استيعاب الأمكنة . وكما يقال : الحمد لله بكرة وأصيلا ، وقيل : أريد بالدعاء الصلاة . وبالغداة والعشي عموم أوقات الصلوات الخمس . فالمعنى ولا تطرد المصلين ، أي المؤمنين .
وقرأ الجمهور ﴿ بالغداة ﴾ بفتح الغين وبألف بعد الدال . وقرأه ابن عامر بضم الغين وسكون الدال وبواو ساكنة بعد الدال وهي لغة في الغداة .
وجملة ﴿ يريدون وجهه ﴾ حال من الضمير المرفوع في ﴿ يدعون ﴾ ، أي يدعون مخلصين يريدون وجه الله ، أي لا يريدون حظا دنيويا .
والوجه حقيقة الجزء من الرأس الذي فيه العينان والأنف والفم . ويطلق الوجه على الذات كلها مجازا مرسلا .
والوجه هنا مستعار للذات على اعتبار مضاف ، أي يريدون رضى الله ، أي لا يريدون إرضاء غيره . ومنه قوله تعالى : ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ﴾ ( الإنسان : 9 ) ، وقوله : ﴿ فأينما تولوا فثم وجه الله ، وتقدم في سورة البقرة ( 115 ) . فمعنى يريدون وجهه ﴾ أنهم آمنوا ودعوا الله لا يريدون بذلك عرضا من الدنيا . وقد قيل : إن قريشا طعنوا في إيمان الضعفاء ونسبوهم إلى النفاق ، إلا أن هذا لم يرد به أثر صحيح ، فالأظهر أن قوله