والقول في ﴿ قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة ﴾ الآية كالقول في نظيريه المتقدمين .
وجيء في هذا وفي نظيره المتقدم بكاف الخطاب مع ضمير الخطاب دون قوله : ﴿ قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم ﴾ ( الأنعام : 46 ) الآية لأن هذا ونظيره أبلغ في التوبيخ لأنهما أظهر في الاستدلال على كون المشركين في مكنة قدرة الله ، فإن إتيان العذاب أمكن وقوعا من سلب الأبصار والأسماع والعقول لندرة حصول ذلك ، فكان التوبيخ على إهمال الحذر من إتيان عذاب الله ، أقوى من التوبيخ على الاطمئنان من أخذ أسماعهم وأبصارهم ، فاجتلب كاف الخطاب المقصود منه التنبيه دون أعيان المخاطبين . والبغتة تقدمت آنفا .
والجهرة : الجهر ، ضد الخفية ، وضد السر . وقد تقدم عنه قوله تعالى : { وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة في سورة البقرة ( 55 ) .
وقد أوقع الجهرة هنا في مقابلة البغتة وكان الظاهر أن تقابل البغتة بالنظرة أو أن تقابل الجهرة بالخفية ، إلا أن البغتة لما كانت وقوع الشيء من غير شعور به كان حصولها خفيا فحسن مقابلته بالجهرة ، فالعذاب الذي يجيء بغتة هو الذي لا تسبقه علامة ولا إعلام به . والذي يجيء جهرة هو الذي تسبقه علامة مثل الكسف المحكي في قوله تعالى : فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا } ( الأحقاف : 24 ) أو يسبقه إعلام به كما في قوله تعالى : ﴿ فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ﴾ ( هود : 65 ) . فإطلاق الجهرة على سبق ما يشعر بحصول الشيء إطلاق مجازي . وليس المراد من البغتة الحاصل ليلا ومن الجهرة الحاصل نهارا .
والاستفهام في قوله : ﴿ هل يهلك ﴾ مستعمل في الإنكار فلذلك جاء بعده الاستثناء . والمعنى لا يهلك بذلك العذاب إلا الكافرون .
والمراد بالقوم الظالمين المخاطبون أنفسهم فأظهر في مقام الإضمار ليتأتى وصفهم أنهم ظالمون ، أي مشركون ، لأنهم ظالمون أنفسهم وظالمون الرسول والمؤمنين .