والضمير المجرور بالباء عائد إلى السمع والأبصار والقلوب ، على تأويلها بالمذكور فلذلك لم يقل بها . وهذا استعمال قليل في الضمير ، ولكنه فصيح . وقد تقدم في تفسير قوله تعالى : { إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به في سورة المائدة ( 36 ) ، وعند قوله : وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا في سورة النساء ( 4 ) ، وإيثاره هنا على أن يقال : يأتيكم بها ، لدفع توهم عود الضمير إلى خصوص القلوب .
والكلام جار مجرى التهديد والتخويف ، اختير فيه التهديد بانتزاع سمعهم وأبصارهم وسلب الإدراك من قلوبهم لأنهم لم يشكروا نعمة هذه المواهب بل عدموا الانتفاع بها ، كما أشار إليه قوله آنفا وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها } ( الأنعام : 25 ) . فكان ذلك تنبيها لهم على عدم إجداء هذه المواهب عليهم مع صلاحيتها للانتفاع ، وناسب هنا أن يهددوا بزوالها بالكلية إن داموا على تعطيل الانتفاع بها فيما أمر به خالقها .
وقوله ﴿ انظر ﴾ تنزيل للأمر المعقول منزلة المشاهد ، وهو تصريف الآيات مع الإعراض عنها حتى أن الناظر يستطيع أن يراها ، فأما الأمر فهو مستعمل في التعجيب من حال إعراضهم .
والجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا تتنزل منزلة التذييل للآيات السابقة ، فإنه لما غمرهم بالأدلة على الوحدانية وصدق الرسول ، وأبطل شبههم عقب ذلك كله بالتعجيب من قوة الأدلة مع استمرار الإعراض والمكابرة ، وقد تقدم قريب منه عند قوله تعالى : { انظر كيف يفترون على الله الكذب في سورة النساء ( 50 ) . وهذا تذكير لهم بأن الله هو خالق أسماعهم وأبصارهم وألبابهم فما كان غيره جديرا بأن يعبدون .
وتصريف الآيات اختلاف أنواعها بأن تأتي مرة بحجج من مشاهدات في السماوات والأرض ، وأخرى بحجج من دلائل في نفوس الناس ، ومرة بحجج من أحوال الأمم الخالية التي أنشأها الله ، فالآيات هنا هي دلائل الوحدانية ، فهي متحدة في الغاية مختلفة