وفصل فعل قل } فلم يعطف لأنه وقع موقع المحاورة فجاء على طريقة الفصل التي بيناها في مواضع كثيرة ، أولها : قوله تعالى : { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها في سورة البقرة ( 30 ) .
وأمر الله رسوله أن يجيبهم بما يعلم منه أن الله لو شاء لأنزل آية على وفق مقترحهم تقوم عليهم بها الحجة في تصديق الرسول ، ولكن الله لم يرد ذلك لحكمة يعلمها ؛ فعبر عن هذا المعنى بقوله : إن الله قادر على أن ينزل آية } وهم لا ينكرون أن الله قادر ، ولذلك سألوا الآية ، ولكنهم يزعمون أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يثبت صدقه إلا إذا أيده الله بآية على وفق مقترحهم . فقوله : ﴿ إن الله قادر على أن ينزل آية ﴾ مستعمل في معناه الكنائي ، وهو انتفاء أن يريد الله تعالى إجابة مقترحهم ، لأنه لما أرسل رسوله بآيات بينات حصل المقصود من إقامة الحجة على الذين كفروا ، فلو شاء لزادهم من الآيات لأنه قادر .
ففي هذه الطريقة من الجواب إثبات للرد بالدليل ، وبهذا يظهر موقع الاستدراك في قوله : ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ فإنه راجع إلى المدلول الالتزامي ، أي ولكن أكثر المعاندين لا يعلمون أن ذلك لو شاء الله لفعله ، ويحسبون أن عدم الإجابة إلى مقترحهم يدل على عدم صدق الرسول عليه الصلاة والسلام وذلك من ظلمة عقولهم ، فلقد جاءهم من الآيات ما فيه مزدجر .
فيكون المعنى الذي أفاده هذا الرد غير المعنى الذي أفاده قوله ﴿ ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ﴾ ( الأنعام : 8 ) فإن ذلك نبهوا فيه على أن عدم إجابتهم فيه فائدة لهم وهو استبقاؤهم ، وهذا نبهوا فيه على سوء نظرهم في استدلالهم .
وبيان ذلك أن الله تعالى نصب الآيات دلائل مناسبة للغرض المستدل عليه كما يقول المنطقيون : إن المقدمات والنتيجة تدل عقلا على المطلوب المستدل عليه ، وإن النتيجة هي عين المطلوب في الواقع وإن كانت غيره في الاعتبار ؛ فلذلك نجد القرآن يذكر الحجج على عظيم قدرة الله على خلق الأمور العظيمة ، كإخراج الحي من الميت وإخراج