استعمال شائع ، وليس فيه شيء من اللوم ولا من التوبيخ ، كما توهمه كثير من المفسرين .
وقوله : ﴿ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ﴾ شرط امتناعي دل على أن الله لم يشأ ذلك ، أي لو شاء الله أن يجمعهم على الهدى لجمعهم عليه ؛ فمفعول المشيئة محذوف لقصد البيان بعد الإبهام على الطريقة المسلوكة في فعل المشيئة إذا كان تعلقه بمفعوله غير غريب وكان شرطا لإحدى أدوات الشرط كما هنا ، وكقوله : ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ ( النساء : 133 ) .
ومعنى : ﴿ لجمعهم على الهدى ﴾ لهداهم أجمعين . فوقع تفنن في أسلوب التعبير فصار تركيبا خاصيا عدل به على التركيب المشهور في نحو قوله تعالى : ﴿ فلو شاء لهداكم أجمعين ﴾ ( الأنعام : 149 ) للإشارة إلى تمييز الذين آمنوا من أهل مكة على من بقي فيها من المشركين ، أي لو شاء لجمعهم مع المؤمنين على ما هدى إليه المؤمنين من قومهم .
والمعنى : لو شاء الله أن يخلقهم بعقول قابلة للحق لخلقهم بها فلقبلوا الهدى ، ولكنه خلقهم على ما وصف في قوله : ﴿ وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ﴾ ( الأنعام : 25 ) الآية ، كما تقدم بيانه . وقد قال تعالى : ﴿ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ﴾ ( هود : 118 ) ، وبذلك تعلم أن هذه مشيئة كلية تكوينية ، فلا تعارض بين هذه الآية وبين قوله تعالى في آخر هذه السورة ( 148 ) { سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا الآية . فهذا من المشيئة المتعلقة بالخلق والتكوين لا من المشيئة المتعلقة بالأمر والتشريع . وبينهما بون ، سقط في مهواته من لم يقدر له صون .
وقوله : فلا تكونن من الجاهلين } تذييل مفرع على ما سبق .
والمراد ب ﴿ الجاهلين ﴾ يجوز أن يكون من الجهل الذي هو ضد العلم ، كما في قوله تعالى خطابا لنوح ﴿ إني أعظك أن تكون من الجاهلين ﴾ ( هود : 46 ) ، وهو ما حمل عليه المفسرون هنا . ويجوز أن يكون من الجهل ضد الحلم ، أي لا تضق صدرا بإعراضهم . وهو أنسب بقوله : ﴿ وإن كان كبر عليك إعراضهم ﴾ . وإرادة كلا المعنيين ينتظم مع مفاد الجملتين : جملة : ﴿ وإن كان كبر عليك إعراضهم ﴾ وجملة ﴿ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ﴾ . ومع كون هذه الجملة تذييلا للكلام السابق فالمعنى : فلا يكبر عليك إعراضهم