ولام القسم لتأكيد الخبر بتنزيل الرسول صلى الله عليه وسلم منزلة من ذهل طويلا عن تكذيب الرسل لأنه لما أحزنه قول قومه فيه كان كمن بعد علمه بذلك . و ﴿ من قبلك ﴾ وصف كاشف ل ﴿ رسل ﴾ جيء به لتقرير معنى التأسي بأن ذلك سنة الرسل .
وفي موقع هذه الآية بعد التي قبلها إيماء لرجاحة عقول العرب على عقول من سبقهم من الأمم ، فإن الأمم كذبت رسلها باعتقاد ونطق ألسنتها ، والعرب كذبوا باللسان وأيقنوا بصدق الرسول عليه الصلاة والسلام بعقولهم التي لا يروج عندها الزيف .
و ( ما ) مصدرية ، أي صبروا على التكذيب ، فيجوز أن يكون قوله ﴿ وأوذوا ﴾ عطفا على ﴿ كذبوا ﴾ وتكون جملة ﴿ فصبروا ﴾ معترضة . والتقدير : ولقد كذبت وأوذيت رسل فصبروا . فلا يعتبر الوقف عند قوله ﴿ على ما كذبوا ﴾ بل يوصل الكلام إلى قوله ﴿ نصرنا ﴾ ، وأن يكون عطفا على ﴿ كذبت رسل ﴾ ، أي كذبت وأوذوا . ويفهم الصبر على الأذى من الصبر على التكذيب لأن التكذيب أذى فيحسن الوقف عند قوله : ﴿ على ما كذبوا ﴾ .
وقرن فعل ﴿ كذبت ﴾ بعلامة التأنيث لأن فاعل الفعل إذا كان جمع تكسير يرجح اتصال الفعل بعلامة التأنيث على التأويل بالجماعة . ومن ثم جاء فعلا ﴿ فصبروا ﴾ و ﴿ كذبوا ﴾ مقترنين بواو الجمع ، لأن فاعليهما ضميران مستتران فرجح اعتبار التذكير .
وعطف ﴿ وأوذوا ﴾ على ﴿ كذبت ﴾ عطف الأعم على الأخص ، والأذى أعم من التكذيب ، لأن الأذى هو ما يسوء ولو إساءة ما ، قال تعالى : ﴿ لن يضروكم إلا أذى ﴾ ( آل عمران : 111 ) ويطلق على الشديد منه . فالأذى اسم اشتق منه آذى إذا جعل له أذى وألحقه به . فالهمزة به للجعل أو للتصيير . ومصادر هذا الفعل أذى وأذاة وأذية . وكلها أسماء مصادر وليست مصادر . وقياس مصدره الإيذاء لكنه لم يسمع في كلام العرب . فلذلك قال صاحب ( القاموس ) : لا يقال : إيذاء . وقال الراغب : يقال : إيذاء . ولعل الخلاف مبني على الخلاف في أن القياسي يصح إطلاقه ولو لم يسمع في كلامهم أو يتوقف إطلاقه