فيكم وأصدقكم حديثا حتى إذا رأيتم الشيب في صدغيه قلتم ساحر وقلتم كاهن وقلتم شاعر وقلتم مجنون ووالله ما هو بأولئكم ) . ولأن الآيات التي جاء بها لا يمتري أحد في أنها من عند الله ، ولأن دلائل صدقه بينة واضحة ولكنكم ظالمون .
والظالم هو الذي يجري على خلاف الحق بدون شبهة . فهم ينكرون الحق مع علمهم بأنه الحق ، وذلك هو الجحود . وقد أخبر الله عنهم بذلك وهو أعلم بسرائرهم . ونظيرها قوله تعالى حكاية عن قوم فرعون ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا ﴾ ( النمل : 14 ) فيكون في الآية احتباك . والتقدير : فإنهم لا يكذبونك ولا يكذبون الآيات ولكنهم يجحدون بالآيات ويجحدون بصدقك ، فحذف من كل لدلالة الآخر .
وأخرج الترمذي عن ناجية بن كعب التابعي أن أبا جهل قال للنبيء صلى الله عليه وسلم لا نكذبك ولكن نكذب ما جئت به . فأنزل الله ﴿ فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ﴾ . ولا أحسب هذا هو سبب نزول الآية . لأن أبا جهل إن كان قد قال ذلك فقد أراد الاستهزاء ، كما قال ابن العربي في ( العارضة ) : ذلك أنه التكذيب بما جاء به تكذيب له لا محالة ، فقوله : لا نكذبك ، استهزاء بإطماع التصديق .
| 2 ( 34 ) ﴿ ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جآءك من نبإ المرسلين ﴾ . ) 2
عطف على جملة ﴿ فإنهم لا يكذبونك ﴾ ( الأنعام : 33 ) أو على جملة ﴿ ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ﴾ ( الأنعام : 33 ) . ويجوز أن تكون الواو واو الحال من الكلام المحذوف قبل الفاء ، أي فلا تحزن ، أو إن أحزنك ذلك فإنهم لا يكذبونك والحال قد كذبت رسل من قبلك . والكلام على كل تقدير تسلية وتهوين وتكريم بأن إساءة أهل الشرك لمحمد عليه الصلاة والسلام هي دون ما أساء الأقوام إلى الرسل من قبله ؛ فإنهم كذبوا بالقول والاعتقاد وأما قومه فكذبوا بالقول فقط . وفي الكلام أيضا تأس للرسول بمن قبله من الرسل .